سانشيز يتحدى ترامب.. لماذا قالت إسبانيا "لا للحرب" ضد إيران؟
"موقف الحكومة الإسبانية يتلخص في أربع كلمات: لا للحرب.. لا لانتهاك القانون الدولي.. لا للاعتقاد بأن المشاكل تُحل بالصراعات.. ولا لتكرار أخطاء الماضي".. بهذا الحسم، رد بيدرو سانشيز على تهديدات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب الذي هدد بقطع العلاقات التجارية، واصفاً إسبانيا بـ "الحليف السيئ" لرفضها فتح قواعدها العسكرية أمام الطائرات الأمريكية في هجومها الأخير على الشرق الأوسط.
بينما التزم الاتحاد الأوروبي الصمت، اختارت إسبانيا أن تشق عصا الطاعة على "الاستراتيجية الترامبية" التي تسعى لإعادة بناء نظام عالمي قائم على منطق القوة الصرفة.
تكفير عن خطأ "أثنار": استحضار شبح حرب العراق
وأوضحت دراسة أعدها المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أنه تحمل كلمات سانشيز اليوم أصداءً من الماضي؛ فهي تبدو كنوع من "الترميم الأخلاقي" للتاريخ الإسباني، فقبل 23 عاماً، انضمت إسبانيا بقيادة "خوسيه ماريا أثنار" بحماس إلى تحالف جورج بوش وتوني بلير في غزو العراق عام 2003.
اليوم، يرفض سانشيز تكرار تلك الصورة الشهيرة لـ "ثلاثي الأزور"، متمسكاً بوقوف بلاده في "الجانب الصحيح من التاريخ".
العزلة الشجاعة: طرد 15 طائرة أمريكية
لم يكتفِ سانشيز بالبيانات، بل انتقل إلى الفعل، حيث رفضت مدريد استخدام طائرات واشنطن لقاعدتي "مورون" و"روتا" في الأندلس لأي أعمال تخرج عن نطاق اتفاقيات الأمم المتحدة، واضطرت 15 طائرة عسكرية أمريكية لمغادرة الأراضي الإسبانية والتوجه إلى قواعد في دول أوروبية أخرى تابعة للناتو.
في وقت تعاونت فيه فرنسا وألمانيا وبريطانيا مع واشنطن، لم يجد سانشيز دعماً في أوروبا سوى من حكومات أيرلندا، السويد، سلوفينيا، والدنمارك.
المخاطر الاقتصادية: هل تنجح "فأس" ترامب في كسر مدريد؟
رغم التهديدات، يرى المحللون أن التأثير قد يكون محدوداً لكنه مؤلم في قطاعات معينة، لأن التبادل التجاري مع أمريكا يمثل 4% فقط من الصادرات الإسبانية، لكن قطاعات مثل زيت الزيتون، النبيذ، والمعدات الكهربائية ستكون في خط المواجهة.
بينما القلق الأكبر يكمن في ارتفاع أسعار النفط والغاز، مما قد يدفع البنك المركزي الأوروبي لرفع الفائدة، وهو ما سينعكس مباشرة على "قروض المنازل" للأسر الإسبانية، وتعهدت مدريد بوضع استراتيجية للدفاع عن الوظائف ودخل العائلات لمواجهة "الانتقام التجاري" المحتمل.
سانشيز.. "بوصلة" الأخلاق الدولية
بعد رفضه زيادة ميزانية الناتو إلى 5%، وإدانته لما وصفه بـ "الإبادة الجماعية" في غزة، واعترافه بالدولة الفلسطينية في سبتمبر 2025، يرسخ سانشيز مكانته كمرجعية أوروبية وحيدة تقف في وجه "عالم العنف".
تقول الرسالة الإسبانية بوضوح: مدريد لن تكون شريكة في شر يحيق بالعالم خوفاً من انتقام ترامب، وبينما يتهمه معارضوه في الداخل (الحزب الشعبي وفوكس) بالمغامرة بمصالح البلاد، يراهن هو على نبض الشارع الإسباني "المسالم" الذي يرفض أن تتحول بلاده مرة أخرى إلى منصة لانطلاق الحروب.