هل يمنح الصدام مع ترامب أصوات الإسبان الانتخابية لبيدرو سانشيز؟
بينما تتصاعد حدة التوتر بين مدريد وواشنطن، يبدو أن رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، قد وجد في "عدائية" دونالد ترامب سلاحاً سياسياً غير متوقع. ففي الوقت الذي يخشى فيه البعض من تداعيات القطيعة مع البيت الأبيض، تشير القراءات السياسية واستطلاعات الرأي إلى أن "الوقوف في وجه ترامب" قد يكون الورقة الرابحة التي ستعزز شعبية الزعيم الاشتراكي داخلياً، مستفيداً مما يعرف بـ "تأثير العلم" أو الالتفاف الشعبي حول القائد في مواجهة التهديدات الخارجية.
منعطف "روتا ومورون": كسر العظم
وأوضحت صحيفة “إلباييس” الإسبانية، أنه رغم كون سانشيز يتبنى منذ أكثر من عام خطاباً هو الأكثر انتقاداً لترامب داخل الاتحاد الأوروبي —سواء بشأن غزة، فنزويلا، أو الإنفاق العسكري— إلا أن رفضه الأخير تقديم الدعم للهجوم الأمريكي على إيران انطلاقاً من قاعدتي "روتا" و"مورون" العسكريتين، شكل علامة فارقة في العلاقات الثنائية.
رد فعل ترامب جاء عنيفاً ومباشراً؛ حيث هدد بقطع "كل أنواع التجارة" مع إسبانيا، بل ولمح مجدداً إلى إمكانية طردها من حلف شمال الأطلسي (الناتو).
هذا الصدام عالي التوتر يضع الحكومة الإسبانية أمام اختبار صعب، لكنه يضع المعارضة أيضاً في مأزق أمام رأي عام يرفض ترامب تاريخياً.

أرقام لا تكذب: ترامب "العدو المفضل"
تظهر بيانات مركز البحوث السوسيولوجية (CIS) أن 15.7% فقط من المجتمع الإسباني لديهم نظرة إيجابية تجاه ترامب، بينما يعبر 76.5% عن رفضهم القاطع له، هذا النفور لا يقتصر على الناخبين اليساريين (حيث تصل نسبة الرفض إلى 95%)، بل يمتد ليشمل أكثر من نصف ناخبين الحزب الشعبي اليميني (PP)، وحتى قطاعاً واسعاً من مؤيدي حزب "فوكس" اليميني المتطرف، الذين يرى نصفهم تقريباً أن ترامب يمثل "خطراً على السلام العالمي".

دروس من كندا والدنمارك
ونقلت الصحيفة عن المحلل السياسي بابلو سيمون أن المواجهات السابقة لزعماء دوليين مع ترامب انتهت لصالحهم انتخابياً. ويستشهد سيمون بنموذج رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن؛ حيث حقق كلاهما قفزات في استطلاعات الرأي بعد تحدي غطرسة ترامب في ملفات السيادة والتجارة.
ويضيف سيمون: "الصدام مع ترامب يمنح سانشيز فرصة ذهبية لتوحيد قاعدته الانتخابية واستقطاب أصوات من أقصى اليسار. لقد أصبح ترامب بمثابة 'الطائر الأبيض' (الفرصة النادرة) التي قد تدفع سانشيز للضغط على زر الانتخابات المبكرة وهو في موقف قوة".
المخاطر المحتملة: الاقتصاد والأمن
ومع ذلك، يجمع المحللون على أن هذا "التأثير الإيجابي" قد يتبخر إذا انتقل ترامب من التهديد اللفظي إلى الفعل. فإذا أدت العقوبات التجارية إلى ارتفاع البطالة أو تضرر الأمن القومي، فإن "تأثير العلم" قد يتحول إلى نقمة.
يقول الباحث طارق جزيري أرونا: "في المدى القصير، سينجح سانشيز في حشد الناخبين المناهضين للناتو والرافضين للتبعية الأمريكية، لكن استدامة هذا الدعم تعتمد على مدى قدرة الاقتصاد الإسباني على الصمود أمام هجمات واشنطن".
ويقف بيدرو سانشيز اليوم في طليعة القادة الأوروبيين الذين يرفضون "الأحادية الأمريكية" في عهد ترامب، وبينما تتجه الأنظار نحو صندوق الاقتراع، يبدو أن الرهان على "الكرامة الوطنية" في مواجهة تهديدات ترامب هو المسار الذي اختاره الزعيم الاشتراكي لخوض معركته السياسية القادمة، معولاً على وعي الشارع الإسباني الذي بات يرى في واشنطن —تحت إدارة ترامب— تهديداً متزايداً لمصالح مدريد.