رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في السياسة كما في الأساطير، هناك من يظن نفسه قادرًا على إعادة تشكيل العالم بقبضة واحدة، هكذا بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يراقب المشهد من حوله، مقتنعًا أن ما فعله في فنزويلا وسوريا يمكن تكراره بالسيناريو ذاته مع إيران؛ ضربة سريعة، ارتباك في الخصم، ثم فرض معادلة جديدة على الطاولة، غير أن الشرق الأوسط ليس ساحة تجارب، وإيران ليست دولة يمكن إدراجها في قائمة "الضغط الأقصى" ثم انتظار الاستسلام.

ترامب، الذي طالما خاطب الداخل الأمريكي بلغة الحسم والقوة، بدا وكأنه يصدق أن إرادة البيت الأبيض تكفي لإعادة رسم خرائط النفوذ، لكن حسابات القوة في المنطقة أكثر تعقيدًا من شعارات الحملات الانتخابية، فإيران ليست معزولة، ولها امتدادات وأذرع ونَفَس طويل في إدارة الصراعات، ومن يفتح باب النار معها، لا يضمن أن يغلقه متى شاء.


في خلفية هذا المشهد، يقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لاعبًا بارعًا في هندسة اللحظة، فنتنياهو الذي يعرف جيدًا كيف يضع واشنطن أمام الأمر الواقع، بدا وكأنه يقود الإيقاع، لا يتبعه، فحين تصاعد التوتر، لم يكن السؤال: هل ستنخرط أمريكا؟ بل متى وكيف؟ وهنا تحديدًا، بدت إدارة ترامب وكأنها تسير في مسار رُسم لها مسبقًا.


الضربات الأمريكية الأولى ضد إيران حملت رسالة واضحة: واشنطن قررت الدخول إلى الحلبة، لكن الرد الإيراني جاء سريعًا وحادًا، كأنه يقول إن زمن الضربات بلا كلفة قد انتهى، لم تكن الرسالة عسكرية فقط، بل سياسية أيضًا: إيران لن تقبل أن تُدار كملف ثانوي في صراع أكبر.


المفارقة أن وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو خرج ليقول للصحفيين – في ما معناه – إن الولايات المتحدة باتت في حرب مع إيران لأن إسرائيل فرضت الأمر الواقع، حديث يثير الدهشة؛ إذ يوحي بأن القوة العظمى الأولى في العالم تتحرك كرد فعل لا كصاحبة قرار مستقل، قال إن إسرائيل كانت ستهاجم إيران على أي حال، وإن طهران كانت سترد باستهداف المصالح الأمريكية، وبالتالي لم يكن أمام واشنطن سوى الضربة الاستباقية، منطق دائري يختزل السيادة في رد فعل.


هذا التصريح فتح أبوابًا داخل الكونجرس لم تكن مواربة من قبل، أصوات معارضة بدأت تتساءل علنًا: من يقود السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟ هل القرار في واشنطن أم في تل أبيب؟ وهل أصبح البيت الأبيض رهينة حسابات داخلية إسرائيلية؟ أسئلة ثقيلة، لكنها تعكس حجم القلق من انزلاق غير محسوب.


حتى اللحظة، ما زال نطاق الحرب محصورًا بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث تمارس دول الخليج أقصى درجات ضبط النفس، مدركة أن أي توسع للنار سيجعلها في قلب العاصفة، المنطقة كلها تقف على حافة هاوية؛ خطوة واحدة خاطئة قد تدفع أطرافًا أخرى إلى المشهد، وحينها لن يكون الحديث عن مواجهة محدودة، بل عن حرب إقليمية مفتوحة، ربما تتدحرج إلى ما هو أبعد.


جنون العظمة في السياسة ليس مجرد صفة نفسية، بل خطر استراتيجي، حين يعتقد زعيم أنه قادر على إخضاع الوقائع لإرادته، يتجاهل أن الوقائع نفسها قد تتمرد، ترامب الذي رأى في نفسه صانع الصفقات الكبرى، وجد نفسه في معادلة أكثر تعقيدًا من أن تُختزل في تغريدة أو خطاب حماسي، أما نتنياهو فبدا وكأنه يدفع باللعبة إلى أقصاها، مستفيدًا من اللحظة، غير عابئ بما قد تجرّه من عواصف.


العالم لا يحتاج إلى حرب عالمية جديدة، لكنه يسير نحوها إن استمر هذا التصعيد، فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى تبدأ أحيانًا بسوء تقدير، أو بثقة زائدة في النفس، أو بتحالفات غير متكافئة، والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل يتراجع اللاعبون خطوة قبل أن ينزلقوا جميعًا إلى مواجهة لا يريدها أحد، أم أن وهم السيطرة سيقودهم إلى فصل جديد من الفوضى العالمية؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء