في زمن تتحول فيه الأفعال في أغلبها إلى أفعال استهلاكية مادية بحتة أو أنشطة تافهة تتم عبر الشبكات والمنصات داخل العالم الرقمي الفسيح والمخيف، تقف القراءة كفعلٍ غريب، بطيء، متأمل، لا يَعِدُ بالمتعة الفورية ولا بالنتيجة السريعة، ومع ذلك يمدّ القرّاء أيديهم إلى الكتب ويدفعون من وقتهم ومالهم، كأنهم يشترون شيئًا غامضًا لا يُمسك باليد ولا يُقاس بالميزان. فما هذا السحر الذي يجعل إنسانًا يترك صخب العالم، ويجلس في زاوية هادئة، يقلب صفحاتٍ صامتة، يلتهم سطورها وينفصل عن العالم المحيط ليشعر بلذة لا يمكن وصفها ولا يرغب في انتهائها وحتى وإن انتهت فإنه يجد نفسه شخصًا مختلفًا عن الشخص الذي بدأ ذلك الفعل قبل دقائق أو ساعات.
يحدث هذا بغض النظر عن مجال القراءة، رواية أو قصيدة أو دراسة علمية أو قصة تاريخية أو غير ذلك، نعيش بين الكلمات فنرى الأبطال والأماكن ونشم الروائح ونسمع الأصوات وتتسرب الحكمة إلى عقولنا والبهجة إلى قلوبنا وحتى إن كان العمل ركيكًا فإننا نتعلم شيئًا، نتعلم كيف يكون العمل ركيكًا فنتجنب فعل ذلك إن انتقلنا إلى الكتابة مثلما وضح هذا الأمر عملاق الأدب الأستاذ عباس محمود العقاد.
الأستاذ أنيس منصور يقول "اقرأ كل شيء" وفي نفس الوقت يقول "إن كنت ستصدق كل ما تقرأ فلا تقرأ" إشارة إلى أن القراءة تحتاج إلى تمحيص واستعراض الرأي والرأي الآخر في كافة الموضوعات حتى العلمية والتاريخية والدينية ليبقى العقل متقدًا وفاعلًا في التمحيص والمقارنة والقياس والتقدير.
الملذات كثيرة فبالإضافة إلى المتعة وترهيف الأحاسيس وزيادة المعرفة والحكمة، قد نجد اللذة في جملةٍ تشرح شعورًا عجزنا عن وصفه، أو فكرةً تغيّر نظرتنا للعالم. تلك اللحظة التي تجعلنا نغلق فيها الكتاب وننظر إلى السماء أو إلى سقف الغرفة أو إلى الفراغ، أو نغمض أعيننا محاولين حماية الفكرة من الهرب واللذة من التسرب وقد نتساءل ونقول كيف استطاع كاتبٌ بعيدٌ عنا زمنًا ومكانًا أن يفهمنا إلى هذا الحد، هل المشاعر الإنسانية متطابقة إلى هذا الحد لا يفصلها زمان ولا مكان ولا دين أو أيديولوجية مصطنعة؟
ومع ذلك، فالقراءة ليست دائمًا متعة سهلة. أحيانًا تكون صعبة، مرهقة، تفتح جروحًا قديمة، وتضعنا أمام أسئلةٍ لا نريد مواجهتها. لكنها، في المقابل، تمنحنا وعيًا لا تمنحه أي وسيلة أخرى. لأن القراءة ليست هروبًا من الواقع ولكنها وسيلة ناجعة لفهمه والتعامل معه، كما أنها تعيد تشكيلنا بهدوء فنحن لا نلاحظ التغيير في لحظته، لكننا بعد سنوات نكتشف أن أفكارنا أعمق، وكلماتنا أدق، ونظرتنا للحياة أوسع. وكأن كل كتابٍ قرأناه أضاف حجرًا صغيرًا في بناء شخصيتنا.
في النهاية، تبقى القراءة فعلًا من أفعال الحرية، فالقارئ يختار أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يتأمل قبل أن يندفع وهذا ما يقودنا لأن نصبح أكثر إنسانية، لذلك لا تستعجب عزيزي القارئ من ملايين الزوار لمعارض الكتاب ولا تستعجب من مظاهر الرقي والحكمة والنشوة التي تعلو الوجوه قبل وأثناء وبعد هذه الزيارة، ابدأ الآن وأمسك بكتاب وغص في أعماقه ليمسكك سحره وتذوق حلاوة تلك اللذة.