رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«أكبر لغز».. لماذا أشعل ترامب الحرب ضد إيران وإشعال المنطقة العربية؟|تقرير

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

إن اللغز الأكبر المحيط بـالهجوم على إيران لا يتعلق بكيفية انتهائه أو بالنتائج التي سيسفر عنها، بل بالسؤال الأساسي.. لماذا أشعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الحرب من البداية؟.. ما الذي يدفع رئيسًا أمريكيًا إلى خوض مغامرة قد تلحق ضررًا كبيرًا ببلاده وبمكانته الشخصية؟.. ولماذا اختار المضي في هذا المسار؟.. وما الذي يحركه فعلًا؟.. وما الذي يسعى إلى تحقيقه؟.. وأي شرارة أشعلت هذا الغضب العارم؟

هناك ثلاثة تفسيرات يمكن اعتبارها إلى حد ما؛ لكنها تظل مقنعة فقط ضمن حدود معينة؛ إذ يقوم التفسير الأول على فكرة أن ترامب تحول إلى أداة في لعبة أكبر منه، أي أنه وافق سواء عن وعي كامل أو بدونه، على تنفيذ خطة تتعلق بمشروع توسيع نفوذ إسرائيل في المنطقة، وهذا المسار يفترض أما استبدال الحكومة الإيرانية بأخرى موالية لواشنطن، أو تفكيك إيران كدولة موحدة، أو على الأقل إضعافها بصورة جذرية.

حرب إيران 
حرب إيران 

أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران شبه مستحيل

ووفقا لهذا المنظور، فأن المصالح الجيوسياسية الأمريكية لا تكون هي المحدد الرئيسي، بل تخضع لرؤية شريحة من النخبة الأمريكية المعروفة بالصهيونيين الإنجيليين، وفي هذا السياق يمكن حتى التضحية بعلاقات واشنطن الحيوية مع ممالك الخليج العربي، عبر تعريضها لخطر الصواريخ الإيرانية، وإظهار أن الولايات المتحدة ليست ضامنًا لأمنها بقدر ما قد تصبح مصدرًا لتهديده.

كما أن اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، يجعل أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران شبه مستحيل، وهو أمر يصب في مصلحة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كذلك تراهن إسرائيل على إفشال مسار تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإيران، عبر تصوير طهران كـ«عدو» مباشر لها، حتى لو كانت الهجمات تستهدف في الواقع منشآت وقواعد أمريكية، بهذا المعنى تبدو أهداف إسرائيل واضحة، بل ويمكن تحقيق بعضها بدعم أمريكي، حتى لو كان الهدف الأكبر المتمثل في إسقاط النظام الإيراني غير واقعي بالكامل. 

ومع ذلك يبقى السؤال: ما الذي يدفع ترامب شخصيًا إلى تبني هذا النهج؟، فمن ناحية أخرى يستبعد أصحاب هذا التحليل فكرة أن يكون ترامب خاضعا لابتزاز متعلق بملفات سرية، كما يرفضون الطروحات التي تزعم أن لديه تبعية خاصة إلى نتنياهو، فالعلاقات مع النخبة اليهودية الأمريكية أمر شائع بين معظم السياسيين الأمريكيين، ولا يعني بالضرورة وجود إرتهان مباشر، كما أن الصهيونيين الإنجيليين لا يشكلون أغلبية حاسمة في دائرته.

حرب إيران 
حرب إيران 

التبعية المباشرة

وبالتالي لا يبدو تفسير التبعية المباشرة كافيًا لتبرير خطوة بهذا الحجم، أما التفسير الثاني يفترض أن ترامب اقتنع بخطة روجت له باعتبارها حربًا سريعة وحاسمة، ووفق هذا التصور، كان بإمكانه أن يحقق نصرًا خاطفًا يظهر قوته أمام الداخل الأمريكي والعالم، حتى لو لم يكن النصر استسلاما كاملا إلى إيران، بل مجرد قبولها العودة إلى المفاوضات ووقف برنامجها النووي، وفي هذا السيناريو يمكن تسويق النتيجة على أنها انتصار، حيث تم توجيه ضربات قاسية، وإظهار التفوق العسكري، وفرض شروط جديدة، كما يمكن التقليل من مخاوف حلفاء واشنطن في الخليج، على أساس أنهم سيواصلون استثماراتهم في الولايات المتحدة، بل وربما يساهمون في إعادة إعمار غزة، مع ممارسة ضغط على نتنياهو لسحب قواته، داخليًا أيضًا قد يشكل ذلك مكسبًا سياسيًا يعزز فرص الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي.

بالإضافة إى أن هذا الرهان يفترض استسلامًا سريعًا من الجانب الإيراني، وهو أمر لا تشير المعطيات إلى تحققه، فأي تصعيد يتجاوز أيامًا معدودة يتحول عمليًا إلى حرب طويلة الأمد، مع ما يرافق ذلك من كلفة سياسية وعسكرية، كما أن الحديث عن احتمال عملية برية، من دون استعداد واضح لها، يثير تساؤلات حول واقعية فرضية النصر السريع.

حرب إيران 
حرب إيران 

أما بالنسبة للتفسير الثالث، فيرى أن الهدف الحقيقي أبعد من إيران، ويرتبط بالصراع مع الصين، وفق هذا الطرح، يسعى ترامب إلى تقليص نفوذ بكين عبر ضرب مصادر طاقتها وشبكاتها في مناطق مختلفة، من فنزويلا إلى إيران، وكأن الأمر لعبة استراتيجية طويلة الأمد، يتم فيها تطويق الخصم تدريجيًا؛ لكن هذه الرؤية تصطدم بأسئلة عملية: هل تملك واشنطن الموارد الكافية لتطويق الصين فعلا؟.. وهل يمكن ضمان أن تؤدي إضعاف إيران إلى تعزيز النفوذ الأمريكي بدلًا من تقليصه؟.. ثم أن للصين بدائل وتحركات مضادة، ما يجعل الأضرار بها نسبية؛ إضافة إلى ذلك، فأن استمرار الحرب يتعارض مع أي مسار تفاوضي محتمل مع بكين، ويجعل حسابات التصعيد أكثر تعقيدًا.

وفي الأخير، قد لا يكون ترامب ساعيًا إلى نشر الفوضى لذاتها، بل يعتقد أنه يعيد رسم موازين القوى بما يخدم ما يراه مصالح أمريكية، غير أن النتائج الفعلية قد تكون عكس ذلك؛ إذ يؤدي التصعيد إلى اضطراب أوسع تتجاوز تداعياته حدود المنطقة، وأن الخطوة التي اتخذها قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، وتجعل من الصعب احتواء العواقب.

وبهذا المعنى يمكن القول، أن الرئيس دونالد ترامب خسر هذه المواجهة منذ لحظة انطلاقها، ليس فقط بسبب كلفتها المحتملة، بل لأنها ابتعدت عن الشعارات التي رفعها سابقًا حول تجنب الحروب المكلفة، والتحدي الأكبر الأن لا يتمثل في من سيربح أو يخسر، بل في كيفية منع تحول هذه المغامرة إلى أزمة أشمل يدفع ثمنها الجميع.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء