تشكل المواجهة العسكرية بين التحالف الامريكي الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى لحظة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية المنطقة، غير أن التحليل يقتضي التمييز بين الأهداف المعلنة، التي تُسوَّق للرأي العام تحت عناوين الأمن ومنع الانتشار النووي، وبين الأهداف البنيوية العميقة المرتبطة بإعادة هندسة ميزان القوى في الشرق الأوسط.
فالأهداف المعلنة تتمثل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وتحييد القدرات الصاروخية الباليستية والفرط صوتية، وإنهاء ما يُوصف بـسلوك النظام المهدِّد للاستقرار. إلا أن القراءة الواقعية تشير إلى أهداف أعمق، أبرزها:
- منع تشكل قوة ردع إيرانية مكتملة تعيق حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية.
- إعادة تثبيت الهيمنة الأمريكية في منطقة شهدت تمدداً روسياً وصينياً خلال العقد الأخير.
- إعادة رسم البيئة الأمنية الإقليمية عبر دمج دول المنطقة في ترتيبات أمنية موجهة حصراً ضد طهران.
- التحكم في معادلة الطاقة ومنع إيران من توظيف موقعها الجيوسياسي كورقة ضغط استراتيجية.
بهذا المعنى، لا تبدو الحرب مجرد رد فعل أمني، بل محاولة استباقية لإجهاض تحوّل استراتيجي محتمل في ميزان الردع الإقليمي.
- ويبرز خيط تحليلي يربط بين غزو العراق عام 2003 في عهد بوش الابن والسياسات المتشددة تجاه إيران في عهد ترامب ففي الحالتين، فكما خول جورج بوش الابن العداء مع العراق الي قضية شخصية مرتبكه بمحاولات اغتيال والده وبناء محور الشر والعقيدة بضرورة القضاء علي نظام صدام، حيث تم توظيف خطاب "التهديد الوجودي" لتبرير الضربة الاستباقية ضمن تسويق رواية أسلحة الدمار الشامل، ونشر الديمقراطية، واليوم نجد ترامب بتبني عقيده مشابهة قائمة علي هدم إرث أوباما والانتقام من المرشد ونظام ولاية الفقيه المتهم في محاولتي اغتيال تعرض لهما ترامب، وهنا وبنفس الوتيرة يُعاد إنتاج خطاب الاقتراب من الحصول علي سلاح نووي باعتباره لحظة لا يمكن بعدها احتواء القدرات الإيرانية. وتهديد القوات الأمريكية بالصواريخ الإيرانية غير أن التجربة العراقية أظهرت أن إسقاط نظام لا يعني بالضرورة بناء نظام بديل مستقر، بل قد يفتح المجال لفوضى إقليمية ممتدة.
وهنا يمكن تفنيد الذرائع والأكاذيب التي روج لها نتانياهو ضمن حديثه لقناة أمريكية وبنيت علي إدراك أن الحرب علي إيران ستكون قصيرة وتفتح بوابة السلام.
فالافتراض بأن الضربة ستكون محدودة زمنياً يتجاهل عناصر الجغرافيا السياسية الإيرانية المساحة الشاسعة، والبنية الدفاعية المتشعبة، وشبكة التحالفات الإقليمية.
فالحرب محتمل أن تفتح جبهات دول الخليج والجانب الأوروبي الأمر الذي يحول الصراع إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة المدي.
ومسألة الاقتراب من العتبة النووية، فعمليا لا توجد منشأة غير قابلة للاستهداف. إلا أن جوهر الإشكالية لا يكمن في التحصين المادي، بل في منع إيران من بلوغ عتبة ردع تجعل كلفة ضربها لاحقاً باهظة. الهدف هنا ليس فقط تدمير منشآت، بل كسر مسار الإيراني نحو بناء توازن ردع جديد.
فواقع الأمر يُظهر أن طهران وقّعت اتفاقاً نووياً عام 2015 وأبدت مرونة تكتيكية عندما اقتضت مصالحها ذلك، وانسحبت منه الولايات المتحدة الأمريكية في ظل إدارة ترامب الأولي عام 2018 بمعني أن ترامب نفسه هو الذي مزق الاتفاق ، كما أن تصوير الصراع علي أنه ضرورة للقضاء علي نظام يمثل تهديد حقيقي أمر مبالغ فيه.
وهنا لا يمكن عزل التصعيد الخارجي عن الحسابات السياسية الداخلية في كل من واشنطن وتل أبيب. تاريخياً، استخدمت الحروب كوسيلة لتوحيد الجبهة الداخلية أو تجاوز أزمات سياسية، كما أن فرض واقع أمني جديد في الشرق الأوسط ينسجم مع رؤية تقوم على دمج المنطقة في منظومة أمنية تقودها واشنطن وتل أبيب، بحيث تصبح إيران هي العدو الذي يبرر استمرار هذا الاصطفاف.
وعن التكلفة الاقتصادية يمكن القول إن هذه الحرب تمثل صدمة هيكلية للاقتصاد العالمي، خصوصاً مع مركزية مضيق هرمز في تجارة الطاقة ومرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر هذا الممر ما يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية. فالمعروف أن أي اضطراب في الملاحة يرفع أسعار النفط والغاز، ما يؤدي إلى موجة تضخم عالمية جديدة، والاقتصادات الكبرى التي بدأت للتو في استعادة توازنها قد تجد نفسها أمام شبح الركود التضخمي، اي معدلات نمو ضعيفة يصاحبها ارتفاع في الأسعار.
كما أن تحويل مسارات الشحن وارتفاع تكاليف التأمين ينعكسان مباشرة على تكلفة الإنتاج الصناعي، من السيارات إلى الإلكترونيات، ما يهدد دورة التجارة الدولية بالتباطؤ.
وفي أوقات الأزمات، تتجه رؤوس الأموال إلى الذهب والدولار، مما يضغط على العملات المحلية للدول النامية ويزيد كلفة خدمة ديونها الخارجية.
وهنا دول الخليج قد تستفيد مالياً من ارتفاع أسعار النفط، لكنها تواجه مخاطر أمنية مباشرة، وتهديد للسيادة بشكل كبير، إضافة إلي احتمالية تحملها كلفة الخسائر في هذه العملية وإعادة بناء ما تم تدميره من القواعد الأجنبية علي أراضيها ، أما مصر، فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة العالمية قد يؤثر في عائدات قناة السويس وفي تدفقات الاستثمار، الأمر الذي سيكون له تداعيات سلبية علي الأوضاع الاقتصادية بشكل مباشر.
ما أود قوله إن هذه الحرب تهدف بالأساس إلى منع تشكّل قطب إقليمي قادر على تحدي الهيمنة القائمة، بمحاولة امتلاكه أسلحة ردع نووية وصاروخية بعيدة المدي، غير أن التجربة التاريخية تشير إلى أن الضربات الاستباقية قد تحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها تخلق حالة فراغ يصعب التحكم في مآلاتها.
إن الحرب على إيران، ورغم كل ما يتم تسويقه من مبررات وأسباب وحتي أكاذيب فهذه الحرب إن اتسعت، لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل إعادة توزيع قسرية لموازين القوة بكلفة اقتصادية باهظة جدا علي الجميع، وبينما تُقدَّم باعتبارها حرب الضرورة، فإنها قد تتحول إلى اختبار قاسٍ لقدرة النظام الدولي على احتواء صراعات القوى الكبرى دون الانزلاق إلى فوضى ممتدة تتجاوز حدود الإقليم.