تقرير لمركز باستيت: أوروبا والهجوم على إيران
لم تستمر حالة التفاؤل بشأن مفاوضات جنيف حول الملف النووي الإيراني سوى أيام قليلة. فبعد تصريح وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي - الوسيط الأساسي - عن تحقيق الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف تقدمًا وانفتاحًا غير مسبوقين في عدة ملفات شائكة، تفاجأ العالم في صباح يوم 28 فبراير الماضي بالضربات الأمريكية - الإسرائيلية على إيران. وهنا، أدركت طهران هذه المرة أنها باتت تخوض معركة مصيرية، مما دفعها إلى الرد بشن هجمات صاروخية على إسرائيل، إضافة إلى القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة.
إن تداعيات هذا الاضطراب غير المسبوق لن تنعكس فقط على المنطقة، بل ستلقي بظلالها على العالم أجمع، ومن ضمنه القارة الأوروبية التي كانت تؤمن بالمسار الدبلوماسي، نظرًا لإدراكها حجم الضرر الذي ستخلفه هذه الحرب.
*البيان المشترك للترويكا الأوروبية
عقب الهجوم على إيران، اجتمع زعماء بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أو ما يعرف بالترويكا الأوروبية، في بروكسل، حيث أصدروا بيانًا مشتركًا حول الموقف الأوروبي من الوضع الراهن.
أكد الزعماء الأوروبيون في البيان المشترك رفضهم للتصعيد العسكري، ودعوا إلى تهدئة الوضع سريعًا والعودة إلى القنوات الدبلوماسية لحل النزاع، وإعادة التركيز على المفاوضات السياسية حول البرنامج النووي الإيراني. كما شددوا على ضرورة التحلي بأقصى درجات ضبط النفس من جميع الأطراف، لحماية المدنيين واحترام القانون الدولي، مؤكدين أن سلامة المدنيين في المنطقة تأتي على رأس الأولويات.
وجددوا دعواتهم لإيران بوقف أنشطتها النووية والصاروخية التي يرونها مهددة للاستقرار الإقليمي، مؤكدين أنهم سبق وأن نادوا طهران مرارًا بوقف مثل هذه البرامج والدخول في مفاوضات جادة مع المجتمع الدولي.
الزعماء الثلاثة أكدوا أيضًا أنهم لا يشاركون في العمليات العسكرية، لكنهم على اتصال وثيق بشركائهم الدوليين، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاؤهم في المنطقة، في محاولة لتنسيق المواقف والعمل على منع اتساع رقعة الصراع.
حاولت الدول الثلاث الموازنة بين علاقاتها بواشنطن وتجنب تفجر الوضع في المنطقة. لذلك يلاحظ أن البيان ألقى باللوم المسبق على طهران، مشيرًا إلى أن تعنت إيران هو ما أدى إلى هذا المسار، كما تضمن إدانة الرد الصاروخي الإيراني على الهجمات الأمريكية، في حين لم يوجه البيان اللوم لواشنطن.
رغم هذا التصعيد، يتضح أن الترويكا لا تزال متمسكة بالمسار الدبلوماسي، سواء من خلال مطالبتهم بالعودة إلى مسار جنيف، أو دعوة فرنسا لعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن.
*الاتحاد الأوروبي
أعرب قادة الاتحاد الأوروبي عن قلقهم البالغ إزاء التطورات الميدانية المتسارعة. وفي بيان مشترك لكل من رئيس مجلس الاتحاد الأوروبي "أنطونيو كوستا" ورئيسة المفوضية الأوروبية "أورسولا فون دير لاين"، عبرا عن قلقهما من التطورات الأخيرة، مؤكدين أن الاتحاد الأوروبي على تواصل مع شركائه في الشرق الأوسط.
ركز البيان على السلامة النووية ومنع أي انتهاك لنظام عدم الانتشار، حيث تم التأكيد على أن الحفاظ على سلامة المنشآت النووية ومنع زعزعة برنامج عدم الانتشار النووي العالمي يعد من الأولويات الأساسية، لا سيما في ضوء أن الصراع الحالي ينطوي على إمكانية توسيع نطاقه، بما يؤدي إلى استخدام قدرات نووية أو إشعال توترات إقليمية أكبر.
إضافة إلى ذلك، أكد البيان أن الاتحاد الأوروبي لا يزال ملتزمًا بعقوباته الواسعة ضد إيران التي فرضت في السنوات الأخيرة، ردًا على سياسات طهران في مجالات عدة، من قضايا حقوق الإنسان إلى دعمها العسكري لأنظمة وصراعات خارج حدودها.
كانت "أورسولا فون دير لاين" في رسالة وجهتها عبر منصة "إكس" قد وصفت الوضع الراهن بـ "المقلق للغاية"، وشددت على ضرورة التزام كافة الأطراف بـ "أقصى درجات ضبط النفس"، مع التركيز المطلق على حماية المدنيين والامتثال التام لقواعد القانون الدولي، مؤكدة أن بوصلة الاتحاد ستظل متجهة نحو الاستقرار والحلول الدبلوماسية.
من جانبه، عزز رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، هذا التوجه بدعوة مماثلة للتهدئة، مشيرًا إلى أن الأولوية القصوى للاتحاد في هذه المرحلة هي توفير الحماية والدعم للمواطنين الأوروبيين الموجودين في منطقة النزاع، معتبرًا أن الحوار هو السبيل الوحيد لتفادي انفجار الموقف إقليميًا.
كما حذرت "كايا كالاس" - الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي - من الانزلاق إلى نقطة اللاعودة، حيث وصفت "كالاس" الوضع بأنه بالغ الخطورة ويقترب من حافة صراع إقليمي شامل لن يسلم منه أحد. وحذرت من أن استمرار تبادل الضربات قد يؤدي إلى انهيار كامل لنظام الأمن في الشرق الأوسط. أيضًا أكدت على ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات في جنيف، حيث أن "الخيار العسكري لا يمكن أن يكون حلاً نهائيًا للملف النووي".
*أوكرانيا تدعم الهجوم الأمريكي
أكد بيان وزارة الخارجية الأوكرانية أن "كييف" تميز بوضوح بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم، مشددة على دعمها لحق الإيرانيين في الأمن والحرية والازدهار، في مقابل انتقادها لسياسات طهران الداخلية والخارجية.
وأشار البيان إلى أن إيران، وفق الرؤية الأوكرانية، انخرطت في سياسات "مزعزعة للاستقرار" على المستوى الإقليمي، فضلاً عن تورطها في دعم عسكري مباشر لروسيا في حربها ضد أوكرانيا، خصوصًا عبر تزويد موسكو بطائرات مسيرة استخدمت في استهداف البنية التحتية الأوكرانية.
في الوقت نفسه، دعا البيان إلى تجنب المزيد من التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة، محذرًا من التداعيات الخطيرة لأي انفلات أمني على الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي. كما شددت كييف على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين، مؤكدة أن أي عمليات عسكرية ينبغي ألا تخرج عن الأطر القانونية المعترف بها دوليًا.
*إسبانيا والنرويج تدينان الهجوم
على عكس معظم العواصم الأوروبية التي سعت إلى الخروج بتصريحات متحفظة، أدانت "مدريد" و"أوسلو" بشكل صريح الهجوم الإسرائيلي - الأمريكي على إيران. وقد علق رئيس الوزراء الإسباني "بيدرو سانشيز" على الهجوم، معلنًا رفض مدريد القاطع للعمل العسكري أحادي الجانب الذي تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، معتبرًا أن هذا التصعيد يمكن أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة ويعرض المدنيين للخطر.
ودعا سانشيز في تصريحاته إلى خفض التصعيد فورًا والعودة إلى الحوار السياسي والدبلوماسي كسبيل لحل النزاعات، مشددًا على وجوب احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
أما وزير خارجية النرويج "إسبن باث إيده" فركز في تصريحاته على مبادئ القانون الدولي، وضعف الحجة الإسرائيلية التي تبرر ضرب طهران على أنه ضربة استباقية، حيث لم تكن هناك تهديدات فورية ومؤكدة تستدعي الرد العسكري. وقد شدد "إيده" على أهمية احترام القانون الدولي، كما دعا إلى العودة لطاولة المفاوضات.
*قبرص تعلن تفعيل خطة إستيا للطوارئ
عقب الهجوم، حاولت نيقوسيا النأي بنفسها عن الصراع، مفضلة اتخاذ موقف محايد قائم على الجانب الإنساني، مستغلة قربها من بؤر الصراع في إجلاء الرعايا الأوروبيين العالقين في المنطقة. حيث أعلن وزير الخارجية القبرصي، قسطنطينوس كومبوس، فور وقوع الهجمات عن تفعيل الخطة الوطنية "إستيا"، التي تهدف إلى تحويل قبرص إلى مركز إنساني لاستقبال وإجلاء رعايا الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى من مناطق النزاع في الشرق الأوسط عبر مطاراتها، خاصة مطار لارنكا.
وبالفعل، استقبل مطارا لارنكا وبافوس، خلال الساعات الأولى من الهجوم، العديد من رحلات الطيران التي كانت متجهة إلى الشرق الأوسط، بعد إغلاق الأجواء الإقليمية هناك.
*خاتمًا
يتضح أن الموقف الأوروبي من الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران اتسم بحالة دقيقة من التوازن بين الاعتبارات السياسية والأمنية والقانونية. فبينما تمسكت الترويكا الأوروبية – بريطانيا وفرنسا وألمانيا – بخيار التهدئة والدعوة إلى استئناف مسار جنيف، حرصت في الوقت ذاته على عدم القطيعة مع الولايات المتحدة، وهو ما انعكس في لهجة بيانها الذي أدان الرد الإيراني الصاروخي، دون تحميل واشنطن مسؤولية مباشرة عن إشعال المواجهة.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد ركز على أولوية حماية المدنيين وسلامة المنشآت النووية والحفاظ على نظام عدم الانتشار، إدراكًا منه لخطورة انزلاق الصراع إلى مواجهة أوسع قد تمس الأمن الأوروبي ذاته.
في المقابل، برز تباين داخل الفضاء الأوروبي، إذ تبنت دول مثل إسبانيا والنرويج خطابًا أكثر وضوحًا في إدانة الضربة ورفض منطق العمل العسكري الاستباقي، بينما فضلت دول أخرى التركيز على الدعوة لضبط النفس. كما عكست حالة قبرص البعد الإنساني للأزمة من خلال تفعيل آليات الطوارئ لإجلاء الرعايا، وهو ما يؤكد أن أوروبا تنظر إلى الصراع ليس فقط من زاوية سياسية، بل أيضًا من منظور أمني وإنساني مباشر.
وعليه، يمكن القول إن أوروبا تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على لعب دور فاعل في إدارة الأزمات الدولية؛ فهي من جهة شريك استراتيجي لواشنطن، ومن جهة أخرى ترى في الدبلوماسية السبيل الوحيد المستدام لمعالجة الملف النووي الإيراني.
يبقى مستقبل الموقف الأوروبي مرهونًا بالقدرة على تحويل دعوات التهدئة إلى مبادرات عملية، تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض وتمنع تحول الأزمة إلى صراع إقليمي شامل، تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط لتطال النظام الدولي برمته.