رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صناعة المرشد: كيف مهّدت التفجيرات صعود خامنئي إلى دولة ولاية الفقيه؟

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية قبل اغتياله - أرشيفية

الصدفة السياسية وحدها لعبت دورًا كبيرًا في عملية التصعيد السياسي لآية الله علي خامنئي، وهي أيضًا السبب في إنهاء مشواره السياسي، حيث لم يكن خامنئي في مقدمة الهرم السياسي في بداية الثورة الإيرانية، إذ سبقه العديد من القادة التاريخيين مثل آية الله علي منتظري، وأيضًا هاشمي رافسنجاني الذي عُدَّ لسنوات طويلة المنافس الأقوى لخامنئي حتى قبل وفاته في عام 2016.

منذ نجاح الثورة الإيرانية في عام 1979 لعب متغير تصفية القيادة السياسية دورًا كبيرًا في تغيير النخبة الحاكمة في طهران، فمع بدايات الثورة، وتحديدًا في عام 1980، لم يكن خامنئي في مقدمة العناصر والقادة المؤهلين للعب دور سياسي في البلاد.

تولى أبو الحسن الصدر رئاسة البلاد في البداية، حيث لم يكن محسوبًا على القيادة الدينية، إذ دفعت فتوى الخميني وقتها بعدم تولي الفقهاء المسؤولية السياسية في البلاد إلى فتح الطريق أمام الصدر لتولي رئاسة البلاد، إلا أنه سرعان ما برز الخلاف بين مكوني الحكم الديني والعلماني، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الصدر الذي فر هاربًا من البلاد في عام 1981، مما أدى إلى تراجع الخميني عن فتواه السابقة بعدم تولي الفقهاء المسؤولية السياسية في البلاد.

نجا آية الله علي خامنئي من العديد من محاولات الاغتيال وتصفية قادة الثورة الإيرانية، الأمر الذي ساهم في النهاية في إقصاء منافسيه السياسيين، ونركز هنا على عمليتين إرهابيتين حدثتا في الماضي، أولهما عملية تفجير مكتب الحزب الجمهوري الإسلامي الإيراني، أو ما يُعرف إيرانيًا باسم "تفجير هفت تير" في 28 يونيو 1981، والآخر تفجير مكتب رئاسة الوزراء الإيراني في أغسطس 1981، لذا فإن كلا التفجيرين ساهما بقوة في إقصاء منافسي خامنئي وتعبيد الطريق أمامه ليحكم إيران لأكثر من أربعة عقود متتالية في منصبي رئاسة البلاد والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

 أبو الحسن الصدر
 أبو الحسن الصدر

تفجير هفت تير وإقصاء بهشتي

يعد قاضي القضاة آية الله محمد بهشتي الرجل الثاني في الثورة الإيرانية بعد روح الله الخميني، وكان من ضمن الأسماء المرشحة لتولي رئاسة البلاد وخلافة الخميني في حال وفاته، ففي أعقاب الثورة الإيرانية أوكل الخميني إلى بهشتي مهمة إنشاء حزب سياسي يُدعى "الحزب الجمهوري الإسلامي" والذي يعبر عن خط ولاية الفقيه في الثورة الإيرانية.

تمكن بهشتي رفقة هاشمي رافسنجاني وخامنئي ومحمد جواد باهنر وعبد الكريم موسوي أردبيلي من تأسيس الحزب في 18 فبراير 1979، وكان يهدف الحزب في الأساس إلى إقامة الحكم الديني في البلاد وتنفيذ أيديولوجية ولاية الفقيه التي أعدها الخميني، وعقد الحزب أول مؤتمر له في عام 1980.

في 28 يونيو 1981 وقع تفجير مدوٍّ في مقر الحزب في طهران، مما أدى إلى مقتل مؤسس الحزب محمد بهشتي وعدد ثلاثة وسبعين قياديًا بالحزب، واتهمت وقتها السلطات الإيرانية منظمة مجاهدي خلق بالتسبب في تفجير مقر الحزب، حيث اتهم الخميني وقتها أعضاء منظمة مجاهدي خلق بالإرهابيين الكفار، مما أدى إلى موجة عنف موسعة ضد أبناء التيار اليساري الإيراني، حيث تم اغتيال المئات من أعضاء منظمة مجاهدي خلق واعتقال الآلاف من أبناء المنظمة.

آية الله محمد بهشتي
آية الله محمد بهشتي

جاءت تفجيرات هفت تير لتقضي على الصف الأول من القادة الإيرانيين المحسوبين على الخميني مثل بهشتي والعديد من الوزراء في الحكومة الإيرانية المحسوبين على التيار الإسلامي، الأمر الذي فتح الباب للصعود السياسي لخامنئي وقتها.

تفجير مكتب رئيس الوزراء

لم يقف الأمر على تفجير هفت تير بل تبعه تفجير آخر مدوٍّ قضى تقريبًا على جميع منافسي خامنئي السياسيين في البلاد، وهو التفجير المعروف باسم تفجير مكتب رئاسة الوزراء في البلاد في أغسطس 1981، حيث أدى التفجير إلى اغتيال كل من محمد علي رجائي رئيس البلاد، ومحمد جواد باهنر رئيس مجلس الوزراء وأحد الأعضاء المؤسسين للحزب الجمهوري الإسلامي الإيراني.

أي أن تفجيري هفت تير وتفجير مكتب رئاسة الوزراء ساهما في إبعاد المنافسين الرئيسيين لخامنئي وهما محمد بهشتي ومحمد جواد باهنر، وهو الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام آية الله علي خامنئي من أجل تولي السلطة في البلاد في أغسطس 1981.

محمد جواد باهنر
محمد جواد باهنر

التجرع من نفس الكأس

مثلما لعبت الاغتيالات السياسية للنخبة الحاكمة في إيران دورًا كبيرًا في تصعيد خامنئي إلى سدة السلطة في البلاد، كانت أيضًا سببًا في نهايته، فخلال الثمانية شهور الأخيرة تكررت حوادث اغتيال النخبة الحاكمة في إيران بصورة شبه كاملة، فعلى سبيل المثال في حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي نجحت إسرائيل في تصفية الصف الأول من القادة الإيرانيين مثل محمد باقري رئيس هيئة الأركان العامة، وحسين سلامي قائد الحرس الثوري، وغلام علي رشيد قائد المقر المركزي لخاتم الأنبياء، وأمير علي حاجي زادة القائد الأعلى للقوات الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، ومسعود مسعود شنهاي رئيس أركان القائد العام للحرس الثوري، وغيرهم من قادة البلاد العسكريين، خاصة في الحرس الثوري الموالي للمرشد.

وفي 28 فبراير الماضي، وفي باكورة عمليات الحرب الأمريكية على إيران "الغضب الملحمي"، تم اغتيال المرشد علي خامنئي وعدد من أفراد أسرته، إضافة إلى 40 مسؤولًا من الصف الأول في القيادة العسكرية الإيرانية، أبرزهم محمد باكبور قائد الحرس الثوري الذي لم يمض على تعيينه ثمانية أشهر، وعلي شمخاني أحد المسؤولين الأمنيين المقربين من المرشد.

 هاشمي رافسنجاني
 هاشمي رافسنجاني

وختامًا:

 مثلما لعبت التصفية الجماعية للقيادة الإيرانية في عام 1981 دورًا في تصعيد خامنئي سياسيًا إلى الصفوف الأولى وتصدره المشهد السياسي، لعبت أيضًا دورًا كبيرًا في إنهاء مسيرته السياسية، وكان قدره أن يصعد السلم السياسي بإزاحة كاملة لمنافسيه، وأيضًا قد تكون تصفيته مع كبار مساعديه في الحرس الثوري دورًا كبيرًا في تصعيد قيادة أخرى في البلاد.

ونقطة أخرى نشير إليها وهي قدرة النظام الإيراني على التعامل مع مثل تلك الظروف، فإقصاءات عام 1981 كانت في ذروة حرب الخليج الأولى مع العراق، والإقصاءات الحالية أيضًا جاءت في ذروة الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء