علي جمعة: الدين لا يأمر ببناء القرارات المصيرية على الرؤى|فيديو
قال الشيخ الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن مسألة الأحلام والرؤى من أكثر القضايا التي يختلط فيها الديني بالنفسي والعلمي، مشددًا على ضرورة فهم طبيعة الإنسان أولًا قبل الحكم على ما يراه في منامه، وهل هو رسالة من الله أم مجرد خيال أو استرجاع لذاكرة العقل الباطن.
وأوضح أن الإنسان يعيش حالتين أساسيتين: حالة اليقظة وحالة النوم، وأن الأصل الذي يُحاسب عليه الإنسان هو حال اليقظة، لأنه المجال الذي تُبنى عليه أفعاله واختياراته ومسؤوليته الكاملة.
الفرق بين الروح والنفس في تكوين الإنسان
وأضاف جمعة، خلال تقديمه برنامج نور الدين والشباب، المذاع على فضائية CBC، أن الإنسان يتكون من جسد وروح ونفس، موضحًا أن الروح تدخل الجسد في الشهر الرابع من الحمل، وهي المسؤولة عن العمليات البيولوجية كالتنفس والهضم والدورة الدموية، فإذا خرجت الروح توقفت تلك الوظائف تمامًا.
أما النفس فهي الكيان المدرِك الواعي، وهي التي وصفها القرآن بمراتب متعددة؛ منها النفس الأمّارة بالسوء، واللوامة، والملهمة، والمطمئنة، مؤكدًا أن النفس هي محل الإدراك والشعور والتكليف.
واستشهد بقوله تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها، موضحًا أن النوم هو خروج النفس مؤقتًا، بينما تبقى الروح محافظة على الجسد حيًا، فإذا عادت النفس عاد الإنسان إلى اليقظة.
إلى أين تذهب النفس أثناء النوم؟
وأشار إلى أن النفس أثناء النوم قد ترى مشاهد متعددة لا يعلم الإنسان حقيقتها الكاملة؛ فقد تكون متعلقة بالماضي أو المستقبل أو بعوالم أخرى لا يدركها بعقله الواعي. وهذه المشاهد تتنوع بين ما يُسمى حلمًا، أو رؤيا، أو حديث نفس، أو كابوسًا.
وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم، فرق بين الحلم والرؤيا، فالحلم يكون من الشيطان ويتسم بالإزعاج والضيق، بينما الرؤيا الصادقة تكون من الرحمن وتحمل طابع الطمأنينة والبشارة.
كيف نميز بين الحلم والرؤيا الصادقة؟
أوضح أن المعيار الأساسي يكمن في الأثر النفسي بعد الاستيقاظ، فإذا استيقظ الإنسان منزعجًا، منقبض الصدر، فالغالب أنه حلم مزعج أو كابوس، أما إذا استيقظ منشرح الصدر، مطمئن النفس، فقد تكون رؤيا صادقة.
كما أشار إلى وجود نوع ثالث هو "حديث النفس"، وهو انعكاس لما يشغل الإنسان في يقظته، بالإضافة إلى الكابوس الذي قد يكون سببه عوامل جسدية كالإجهاد أو الطعام الثقيل قبل النوم.
بين فرويد والتراث الإسلامي
وأكد أن الاكتفاء بالتفسير النفسي المادي للأحلام يختزل الإنسان في بعده البيولوجي، متجاهلًا أبعاده الروحية. واستشهد بقول الإمام محمد البوصيري في قصيدته البردة: والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم"، موضحًا أن التجربة الإنسانية تقدم زوايا متعددة لفهم النفس، وشدد على ضرورة التعامل مع الظاهرة بشمولية، فلا يُلغى التفسير النفسي، ولا يُنكر البعد الروحي، بل يُفهم كل منهما في سياقه.
وتابع أن الدين لا يأمر ببناء القرارات المصيرية على الرؤى، فلا يجوز مثلًا الامتناع عن عمل أو إلغاء قرار مهم فقط بناءً على حلم. لكن إذا تكررت رؤيا معينة وتحقق مضمونها في الواقع بشكل لافت، فإن ذلك يفتح باب التساؤل عن وجود أمر يتجاوز التفسير المادي البحت، وضرب مثالًا بشخص يرى في منامه تحذيرًا محددًا يتحقق لاحقًا بتفاصيل دقيقة، موضحًا أن تكرار مثل هذه الوقائع دفع بعض الباحثين الغربيين إلى إنشاء مجال دراسي يُعرف بالباراسيكولوجي لدراسة الظواهر غير التقليدية.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور علي جمعة، على أن الرؤى الصادقة وقعت عبر التاريخ ملايين المرات، ما يدل على وجود بُعد غيبي لا يمكن إنكاره، لكنه في الوقت نفسه لا يُبنى عليه تشريع أو قرار قطعي، موضحًا أن المنهج المتوازن يقوم على الإيمان بوجود ما وراء المادة، مع عدم إلغاء العقل أو الوقوع في الدجل، مؤكدًا أن الأحلام عالم واسع تتداخل فيه النفس والروح والذاكرة، وأن التمييز بينها يحتاج إلى وعي وفهم عميق لطبيعة الإنسان.

