رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

محمد عوضين: نشهد فوضى الكلام في الدين| فيديو

الدكتور محمد نجيب
الدكتور محمد نجيب عوضين

قال الدكتور محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة الإسلامية، أن الإشكالية الراهنة لم تعد قاصرة على الفتوى بمعناها التقليدي، بل اتسعت لتصبح ما وصفه بفوضى الكلام في الدين، وهي ظاهرة أخطر وأعم، تمس العقيدة وأحكام الشريعة ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم، بل وتمتد أحيانًا إلى التطاول على الذات الإلهية أو التشكيك في السنة النبوية.

وأوضح أن الفتوى في أصلها تعني أن يُسأل الفقيه المتخصص عن حكم شرعي فيجيب بعلم ودراية، أما ما يحدث اليوم فهو تجاوز لهذا الإطار، حيث أصبح الحديث في الدين مباحًا لكل من امتلك منصة أو كاميرا، دون ضوابط علمية أو أهلية معتبرة.

بين الفتوى والكلام على عواهنه

وأضاف عوضين، خلال لقاء على شاشة النيل للأخبار، أن هناك فرقًا جوهريًا بين نوعين من الخطاب: الأول هو الكلام في الدين بلا علم، سواء في العقيدة أو الأحكام، والثاني هو سؤال أهل الفقه عن حكم الحلال والحرام وفق منهج علمي منضبط.

واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»، موضحًا أن إطلاق الأحكام دون علم ليس مجرد خطأ عابر، بل مجازفة دينية خطيرة، لأن المفتي يوقّع عن الله في حكمه، ولا يجوز أن يتصدر لهذا المقام إلا من استكمل أدواته العلمية.

الإمام مالك نموذجًا في التورع العلمي

وأشار إلى أن الإمام مالك، إمام دار الهجرة وصاحب الموطأ، سُئل في مئة مسألة فأجاب في ثلاث فقط، وقال في الباقي “لا أعلم”، وهو ما يعكس منهج العلماء الراسخين في التحري والتثبت.

وأضاف أن هذا النموذج يوضح أن قول لا أدري ليس ضعفًا، بل قمة الأمانة العلمية، بينما تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصات مفتوحة يتحدث فيها غير المتخصصين في أخطر قضايا العقيدة والشريعة.

الدعوة إلى الله بين التخصص وحسن النية

وفي ما يتعلق بمسألة الدعوة، أكد أن كل مسلم مأمور بالدعوة إلى الله، لكن بشرط أن يدعو بعلم فيما يتحدث فيه، لأن مادة الداعية هي الدين ذاته، سواء في الفقه أو التفسير أو المعاملات.

وأوضح أنه لا يعترض على من يملك فهمًا صحيحًا ويستطيع إيصال كلمة طيبة بأسلوب مقبول، حتى لو لم يكن أزهريًا أو معمّمًا، لكن الإشكال يكمن فيمن يتصدر للحديث بلا علم، بدافع الشهرة أو المكاسب المادية، فيخلط بين الصحيح والضعيف، ويستند إلى مصادر غير موثوقة.

منظومة تدقيق عمرها قرون

وشدد أستاذ الشريعة الإسلامية، على أن السنة النبوية لم تُنقل عبثًا، بل مرت عبر منظومة علمية دقيقة تشمل علوم الجرح والتعديل، وعلم الرجال، وعلم الرواية والدراية، لتمييز الصحيح من الضعيف.

وأكد أن الحديث قبل أن يصل إلى الناس في كتاب مطبوع يكون قد خضع لعمليات تمحيص دقيقة، تمامًا كما تمر المنتجات الصناعية بمراحل تنقية قبل طرحها للاستهلاك، ما يجعل التشكيك السطحي في السنة تجاهلًا لجهد علمي تراكمي امتد قرونًا.

التدبر لا يعني الفوضى في التفسير

وتطرق إلى دعوات الاكتفاء بالقرآن دون السنة، مؤكدًا أن التدبر مأمور به، لكن وفق أدوات العلم وضوابطه، لأن النصوص قد تكون عامة أو خاصة، مطلقة أو مقيدة، قطعية أو ظنية.

وضرب مثالًا بدلالة الألفاظ، موضحًا أن كلمة الصلاة في اللغة تعني الدعاء، لكن معناها الاصطلاحي الشرعي يختلف، ولا يجوز هدم ركن من أركان الإسلام بالرجوع إلى المعنى اللغوي فقط دون اعتبار السياق الشرعي.

شروط المفتي علم ولغة وأصول

وأكد أن من شروط التصدي للفتوى: العلم باللغة العربية ودلالات الألفاظ، والإحاطة بالقرآن الكريم، ومعرفة الصحيح والضعيف من الأحاديث، والإلمام بعلم أصول الفقه الذي يضبط فهم النصوص.

وأوضح أن فهم النصوص يحتاج إلى معرفة الفروق بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، ومفهوم المخالفة والمنطوق، وهي أدوات لا تتأتى إلا بالدراسة العميقة، وليست اجتهادات شخصية عابرة.

طاعة الرسول جزء من العقيدة

وشدد على أن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ليست أمرًا ثانويًا، بل جزء من العقيدة، مستشهدًا بقوله تعالى: “من يطع الرسول فقد أطاع الله”، وقوله: “فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم”.

حيث أن إنكار السنة يعني عمليًا إنكار أمر إلهي صريح، لأن القرآن نفسه أمر بطاعة الرسول، وهو ما يجعل التفريق بين القرآن والسنة طرحًا غير منضبط شرعًا.

فوضى الفتاوى وتخصص العلماء

وعن التضارب في الفتاوى، أشار إلى أن العلوم الشرعية متعددة التخصصات، فهناك المتخصص في التفسير، وآخر في الفقه المقارن، وآخر في الحديث، ولا يجوز أن يتصدر غير المتخصص للفتوى في غير مجاله.

وشبه الأمر بالتخصص الطبي، حيث لا يُستشار طبيب العيون في جراحة القلب، معتبرًا أن الخلط بين التخصصات يؤدي إلى فوضى معرفية تضر بالدين والمجتمع.

دور الإعلام والمؤسسات في ضبط الخطاب الديني

وانتقد استضافة غير المتخصصين في بعض المنصات الإعلامية دون وجود مناظرين مؤهلين، ما يسمح بتمرير أفكار مشوهة دون رد علمي رصين.

كما دعا إلى تفعيل القوانين التي تجرم ازدراء الأديان، حمايةً للسلم المجتمعي، مؤكدًا أن حماية الدين لا تعني الاعتداء على عقائد الآخرين، بل احترام الجميع وفق إطار قانوني منضبط.

الفتوى بين راحة النفس وحكم الشرع

وفي ختام حديثه، أكد الدكتور محمد نجيب عوضين، على أن الفتوى الصحيحة تقوم على ثلاثة عناصر: حكم الشرع، ورأي أهل الخبرة في المسائل المتخصصة، والظروف الاجتماعية المحيطة بالسائل، موضحًا أن المفتي المخلص قد يراعي حال السائل النفسية والاجتماعية دون الإخلال بالحكم الشرعي، لكن اختيار الفتوى لمجرد موافقتها للهوى دون تحقق أركانها العلمية يُعد انحرافًا عن المنهج.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء