طارق فهمي: إنهاء التصعيد العسكري ضد إيران في وقت قصير لم يعد مطروحًا
قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، أن التقييمات العسكرية تختلف جذريًا عن التقييمات السياسية، لا سيما في ظل نقص المعلومات الدقيقة خلال الساعات الأولى لأي مواجهة كبرى، مشيرًا إلى أن قراءة مضمون تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكشف عن تحولات مهمة في تقدير الموقف.
وأوضح أن الحديث في اليوم الأول كان يدور حول عملية عسكرية محدودة قد تستمر أربعة أيام، تزيد أو تقل وفق تطورات الميدان، إلا أن التصريحات الأخيرة تشير إلى امتداد العمليات لعدة أسابيع، وهو ما يعكس، وفقًا للتقديرات العسكرية، أن إنهاء العملية في وقت قصير لم يعد مطروحًا، وأن المشهد بات مفتوحًا على سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
سيناريوهات لم تكن في الحسبان
وأضاف فهمي، خلال مداخلة هاتفية على فضائية النيل للأخبار، أن الإدارة الأمريكية، بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، ربما بنت تقديراتها في إطار “الغرفة الاستراتيجية” على افتراضات لم تتحقق على الأرض، إذ لم يكن متوقعًا، بحسب تلك السيناريوهات، أن يأتي الرد الإيراني سريعًا ومكثفًا وعلى أكثر من مسرح عمليات.
وبين أن إيران لجأت إلى ما يمكن وصفه بالتوظيف التدريجي للوكلاء، في إشارة إلى احتمال دخول حزب الله على خط المواجهة، فضلًا عن إعلان الحوثيين في اليمن عدم التزامهم بترتيبات البحر الأحمر، ما يفتح الباب أمام جبهات فرعية متعددة قد تربك الحسابات الإسرائيلية والأمريكية معًا.
تعدد الجبهات وتشتيت القوات الإسرائيلية
ولفت إلى أن إسرائيل، حال اتساع رقعة المواجهة، ستكون أمام توزيع معقد لخريطة الاستهداف، خاصة إذا تحولت المواجهة إلى حرب متعددة الجبهات تشمل لبنان واليمن إلى جانب الجبهة الرئيسية مع إيران.
وأوضح أن هذا السيناريو يعني تشتيت القوات الإسرائيلية بين أكثر من مسرح عمليات، وهو ما قد يضغط على قدراتها العسكرية واللوجستية، خصوصًا إذا طال أمد الحرب وتحولت إلى صراع استنزاف.
توزيع المهام بين واشنطن وتل أبيب
و أشار إلى أن العمليات النوعية، مثل الاغتيالات والتصفيات، عادة ما تتولاها الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، وعلى رأسها الموساد، نظرًا لخبرتها الطويلة في الاختراقات الأمنية، بما في ذلك اختراقات البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات الماضية، أما استهداف المنشآت النووية الكبرى، فأنه يتطلب قدرات تسليحية خاصة، لا تتوافر لدى إسرائيل وحدها، وإنما تحتاج إلى قنابل بمواصفات معينة تمتلكها الولايات المتحدة، ما يعني توزيعًا للأدوار بين الطرفين.
ولفت إلى أنه حتى الآن لم يتم الإعلان عن وقوع تسرب إشعاعي أو استهداف مباشر لمنشآت نووية بشكل حاسم، ما يشير إلى أن العمليات لا تزال في مراحلها الأولى.
إشكالية تغيير النظام وحدود التصعيد
وشدد أستاذ العلوم السياسية، على أن الحديث عن تغيير رأس النظام في إيران يظل طرحًا معقدًا، معتبرًا أن المقارنة بين الحالة الإيرانية وتجارب أخرى غير دقيقة، فإيران دولة ذات عمق استراتيجي وقوى داخلية متشددة ومتماسكة نسبيًا.
واعتبر أن تصريح ترامب بشأن عدم معرفة من يدير الأوضاع في إيران في هذا التوقيت يحمل دلالة خطيرة، إذ يعكس قصورًا في التقييم الاستخباراتي حتى بعد مرور عدة أيام على اندلاع المواجهة، داعيًا إلى التفرقة بين الرسائل الإعلامية الموجهة للجمهورين الأمريكي والإسرائيلي وبين المعطيات الفعلية على الأرض.
هل إطالة أمد الحرب في مصلحة واشنطن؟
وفي ما يتعلق بسؤال إطالة أمد الحرب، أوضح أن المقارنة بين ما يجري في إيران وما حدث في غزة خلال العامين الماضيين ليست في محلها، فإيران دولة ذات قدرات عسكرية وبنية تحتية مختلفة تمامًا.
وأشار إلى أن الأداء الإيراني أظهر قدرة على إرباك المشهد، لافتًا إلى أن إسرائيل تعيش منذ اليوم الأول حالة استنفار قصوى، مع لجوء قطاعات واسعة إلى الملاجئ، في ظل رقابة عسكرية مشددة تحجب الكثير من التفاصيل حول الخسائر والمواقع المستهدفة.
وأكد أن إطالة أمد الحرب لن تكون في صالح إسرائيل تحديدًا، لأن المجتمع الإسرائيلي سيتأثر بشكل مباشر مع استمرار العمليات، بينما تتحمل الولايات المتحدة أعباء لوجستية ومادية كبيرة نتيجة نقل ترسانتها إلى مسرح عمليات بعيد عن أراضيها.
مشهد ضبابي وتحولات عميقة
وفي ختام حديثه، أكد طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، على أن المشهد لا يزال في مرحلته الأولى، وأن ما يجري في إيران ينطوي على تحولات عميقة تحتاج إلى معلومات دقيقة وتحليلات استراتيجية رصينة، بعيدًا عن التصريحات الدعائية أو الأرقام التي تُطرح في سياق تعبوي، مضيفًا أن الحديث عن إنجازات خاطفة أو حسم سريع قد يكون سابقًا لأوانه، في ظل تعدد الجبهات، وضبابية المعلومات، واستمرار حالة التصعيد، مما يجعل المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات عدة، تتراوح بين الاحتواء المحدود والتوسع الإقليمي الشامل.

