«مصر 2000»: «بنك الأهداف» المتبادل يبعد بالمنطقة عن الحسابات التقليدية|خاص
أكد الخبير السياسي محمد غزال، ورئيس حزب مصر 2000، أن التطورات المتسارعة في المواجهة بين إيران وإسرائيل تمثل انتقالًا نوعيًا من مرحلة إدارة التوتر إلى مرحلة إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي، مشددًا على أن استهداف القيادات، مهما كان حجمها أو رمزيتها، لا يعني بالضرورة سقوط الدول أو انهيار الأنظمة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية ترفع منسوب التصعيد.
النظام الإيراني لا يقوم على شخص واحد
وأوضح “غزال” في تصريح خاص لـ “إيجبتك” أن الحديث عن استهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أو قيادات عسكرية بارزة يجب أن يُقرأ في سياقه الاستراتيجي لا في إطاره العاطفي أو الإعلامي، مؤكدًا أن النظام الإيراني لا يقوم على شخص واحد، بل على منظومة مؤسساتية متشابكة تضم مؤسسات دينية وسياسية وعسكرية وأمنية، في مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، وهي مؤسسات قادرة على إعادة إنتاج القيادة سريعًا حال حدوث فراغ في قمة السلطة.
الأنظمة ذات الطابع العقائدي تمتلك عادةً آليات واضحة
وأشار رئيس حزب مصر 2000، إلى أن الأنظمة ذات الطابع العقائدي تمتلك عادةً آليات واضحة ومسبقة لانتقال السلطة، عبر أطر دستورية مثل مجلس خبراء القيادة، فضلًا عن توازنات القوة داخل مؤسسات الدولة العميقة، مؤكدًا أن التجارب التاريخية تثبت أن اغتيال القيادات قد يؤدي إلى مزيد من التماسك الداخلي، بل وربما إلى صعود قيادات أكثر تشددًا، وهو ما قد يدفع الصراع إلى مستويات أعلى من التصعيد بدلًا من احتوائه.
وأضاف الخبير السياسي، أن استهداف قيادات عسكرية أو أمنية لا يعني تفريغ المؤسسة من كوادرها، إذ تعتمد هذه الأنظمة على هياكل هرمية متعددة المستويات، تتضمن صفوفًا ثانية وثالثة جاهزة لتولي المسئولية فورًا، لافتًا إلى أن المؤسسات العسكرية الكبرى تضع في حساباتها سيناريو فقدان القيادة الأولى كجزء من خطط الطوارئ، وأن ما يجري حاليًا ليس ضربات عشوائية، بل عمليات تُنفذ وفق “بنك أهداف” مُعد مسبقًا تمتلكه أطراف المواجهة، سواء إيران أو إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة.
وشدد على أن الحروب الحديثة تُدار بسيناريوهات تصعيد محسوبة، وأن تبادل الضربات الحالي يعكس تفعيلًا تدريجيًا لهذه الخطط ضمن حدود الردع المتبادل، إلا أن خطورة المرحلة الراهنة تكمن في احتمال انتقالها من “الردع المنضبط” إلى “الانتقام المفتوح”، خاصة إذا أفرزت تطورات الداخل الإيراني قيادة أكثر تشددًا وأقل ميلًا للمناورة السياسية.
وأوضح أن أي حديث عن وفاة المرشد الأعلى لا يجب أن يُفهم باعتباره نهاية النظام، بل قد يكون بداية لمرحلة أكثر صلابة أيديولوجيًا، مؤكدًا أن الرهان على سيناريو انهيار داخلي سريع على غرار تجارب أخرى مثل فنزويلا يفتقر إلى الدقة، لأن الحالة الإيرانية تستند إلى تراكم عقائدي وسياسي ممتد لنحو خمسة عقود، رسّخ خطاب العداء لواشنطن وتل أبيب داخل بنية الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع.
الاختراقات الأمنية داخل إيران
وفيما يتعلق بالاختراقات الأمنية داخل إيران، أشار إلى أن نجاح إسرائيل في تنفيذ عمليات دقيقة داخل العمق الإيراني يكشف عن وجود شبكات تجسس واختراقات حقيقية، لكنه أكد في الوقت ذاته أن وجود اختراقات لا يعني شلل الدولة، بل قد يدفعها إلى إعادة هيكلة أجهزتها الأمنية وتعزيز قبضتها الداخلية وتصعيد ردودها الخارجية لتعويض أي اهتزاز في الهيبة.
وحذر من خطورة انزلاق المواجهة إلى المساس بحركة الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدًا أن نحو 20% من إمدادات النفط العالمية تمر عبره، وأن أي تعطيل لحركة الملاحة سيؤدي إلى ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة قد تتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، بما ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي بأكمله، ويهدد بسلسلة تضخم جديدة تطال الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء.
وأكد، علي أن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس صراع أشخاص، بل صراع رؤى واستراتيجيات يتعلق بتوازنات الردع، والبرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي في عدة ساحات عربية، إضافة إلى تشابك التحالفات الدولية، ما يجعل إنهاءه عبر استهداف شخصية بعينها أمرًا غير واقعي سياسيًا أو عسكريًا.
سيناريو الحسم السريع أقرب إلى الوهم
وأشار إلى أن أي تدخل عسكري مباشر واسع النطاق لإسقاط النظام الإيراني، على غرار ما حدث في العراق عام 2003، يبدو خيارًا بالغ الكلفة والتعقيد، نظرًا لحجم إيران السكاني الذي يقترب من 90 مليون نسمة، ومساحتها الشاسعة التي تتجاوز 1.8 مليون كيلومتر مربع، وطبيعتها الجغرافية الجبلية الوعرة، فضلًا عن شبكة تحالفاتها الإقليمية، ما يجعل سيناريو الحسم السريع أقرب إلى الوهم منه إلى الحسابات الواقعية.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل موازين القوى، وأن استمرار منطق القوة دون أفق سياسي واضح قد يدفع الجميع إلى طريق مسدود استراتيجي، مشددًا على أن الحلول المستدامة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تكون عسكرية خالصة، بل يجب أن تستند إلى مسارات سياسية ودبلوماسية قادرة على ضبط إيقاع التصعيد، لأن ما يجري لا يمثل نهاية صراع، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة في تاريخ الإقليم.

