رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا أستطيع أن أتخيل نفسي مسؤولا عن حي سكني و لا أعرف تفاصيله، أو محافظا لمحافظة لا ألمّ بكل كبيرة وصغيرة فيها، و لا أتخيل أن أتولى مسؤولية عامة دون أن أعرف أحوال الناس بدقة، مشكلاتهم اليومية وأسبابها، وطرق حلها،  لو كنت نائبا برلمانيا، لبدأت منذ اليوم الأول في البحث عن حلول حقيقية لمشكلات أهل دائرتي، معتمدا على مقترحات أصحاب الشأن أنفسهم وتطبيق القانون فهم الأعلم بما يعانون.

 


هذه ببساطة هي وظيفة من يتولى مسؤولية في أى مجتمع، أو يُكلف بإدارة جهة ما أو مصلحة حكومية، أو حتى يكون مسئولا عن  قرية، أو مدينة فعليه  أن يرى  وأن يسمع، وأن يتحرك.

 


أقول ذلك وأنا مندهش من استمرار عدد كبير من الأزمات المزمنة التي لا تتغير، وأراها يوميا منذ عقود ، مشكلات تتكرر بذات التفاصيل، كأن الزمن توقف عندها  أسأل نفسي: ألم تلفت نظر المسؤول الذي عين أو كلف، وأصبح أمام القانون وأمام ضميره مسؤولا عن إدارتها وحلها بأفضل السبل؟ أليس هذا هو جوهر المنصب الذي يتقاضى عنه راتبا وحوافز وبدلات ومكافآت؟

 


في مصر تعرف موعد صرف المعاشات عندما ترى طوابير كبار السن تصطف امام ماكينات الصراف الآلى ، فتجد نصف الماكينات عطلان والنصف الاخر عليه مشاجرات وخلافات على من صاحب احقية الدور ، والطابور يمشي رجال وسيدات أم السيدات في طابور وللرجال طابور .. وكأن أول الشهر الذي يتكرر كل 30 يوما جاء فجأة ، لا صيانه للماكينات ولا حالة طوارىء لتنظيم عمليات الصرف ، ولا افكار جديدة لضمان عدم تكرار الازمة .

 


ومع إشراقة كل صباح، يصطف آلاف المواطنين في نقاط بعينها بحثا عن وسيلة مواصلات تقلهم إلى أعمالهم ،  طوابير ممتدة و  مشادات يومية و استغلال من بعض السائقين، وتأخير للطلاب والموظفين عن مواعيدهم ، مشهد يتكرر أمام محطات الأتوبيس والقطارات ومواقف السرفيس، دون أن يتغير شيء يُذكر منذ عقود .

 


المشهد ذاته يتكرر عند تقاطعات مرورية محددة  بؤر اختناق معروفة للجميع، في أوقات ذروة محفوظة  وثابته، عند الذهب وعند العودة،  أكثر من أربعين عاما والنقاط نفسها تعاني نفس الأزمة، لا خطط استباقية، ولا حالة طوارئ مرورية في ساعات الضغط، ولا تحركات استثنائية تختلف عن روتين الأيام العادية. وكأن الذروة والراحة سواء في حسابات الإدارة.
نرى بؤرا ثابتة للقمامة وأخرى للتلوث، نعرف الأوقات التي تضعف فيها الخدمات أو تنقطع فيها الكهرباء والمرافق، ومع ذلك تمضي الحياة بشكلها المعتاد، لأننا ببساطة اعتدنا الأزمة.

 


أصبحت جزءا من روتيننا اليومي، نتعامل معها كقدر محتوم لا كخلل قابل للإصلاح ، أزمات موسمية نحفظها كما نحفظ التقويم ، مع دخول شهر رمضان، مع عودة الموظفين، مع بدء الدراسة، في أسبوع العيد، في يوم السوق الأسبوعي، في أيام الامتحانات  تتكرر نفس الازمات و المشكلات ، ونردد العبارات ذاتها، ونعود و نتأقلم من جديد.
السؤال الذي يفرض نفسه: متى تختفي هذه المصطلحات من قاموس حياتنا؟ متى ننتقل من ثقافة التعايش مع الأزمة إلى ثقافة منعها قبل أن تقع ؟ ومتى يصبح التخطيط المسبق هو القاعدة، لا كرد فعل دائما يأتي متأخر ؟
ربما لا تحتاج اغلب هذه المشكلات إلى معجزات بقدر ما تحتاج إلى مسؤول يعرف موقعه جيدا، يفكر فيما يمكن ان يضيفه للمجتمع وللمواطن  ويؤمن أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن الإدارة فن الممكن ، لا التسليم بالمشاكل والابقاء عليها .
 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء