رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت


في ذاك الصباح من فبراير 2026، لم يعد الأفق مجرد مساحة لطلوع الشمس، بل صار لوحةً شاحبة يملؤها غبار الركام ودخان الصراعات التي لا تهدأ، لم يعد السؤال "من أين نأتي بالخبز؟"، بل أصبح "هل سنبقى أحياءً لنأكله؟". نحن نعيش في زمنٍ غريب، زمنٍ نعدُّ فيه الضحايا لا كأرواحٍ لها أحلام وحكايات، بل كأرقامٍ عابرة في شريط الأنباء الأحمر.

 


حيث استيقظ العالم على دويّ الانفجارات التي لم تكن مجرد اختراق للأجواء، بل كانت طعنات في خاصرة الإنسانية جمعاء. نحن نعيش لحظة تاريخية فارقة، حيث يبدو أن صوت العقل قد خُنق تحت وطأة "الضربات" المتبادلة بين القوى الكبرى، لتتحول أخبار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران من مجرد مانشيتات سياسية إلى زلزال يضرب أساسات حياتنا اليومية. إن ما يحدث اليوم ليس صراعاً على رقعة شطرنج، بل هو تمزيقٌ متعمد لنسيج الأمان، حيث أصبحت الشعوب في منطقتنا والعالم تدفع ثمن "الجنون السياسي" من قوتها وأعصابها وأحلام طفولتها.

 


تأملوا وجوه الناس في الشوارع، ستجدون قلقاً يسكن العيون وتساؤلاً مريراً ينهش القلوب: "ماذا بعد؟". هل نجح الإنسان الذي غزا الفضاء وصنع الذكاء الاصطناعي في العودة بنا إلى بدائية القوة الغاشمة، حيث يغدو الموت عادة والحياة استثناءً؟ إن هذه المواجهة التي نراها اليوم، والتي أحرقت أسعار الطاقة الذي بات علي كف عفريت ومع قفزة أسعار النفط بنسبة تجاوزت 15% في ساعات قليلة، وتهديد الممرات الملاحية في مضيق هرمز، يجد المواطن البسيط نفسه يدفع ثمن هذه الصواريخ من قوته اليومي.

 

 إن ارتفاع تكاليف الشحن وتذبذب الأسواق ليس مجرد أرقام اقتصادية، بل هو جوعٌ مستتر يهدد الملايين، الذين باتوا يراقبون السماء لا انتظاراً للمطر، بل خوفاً من صاروخٍ ضل طريقه أو مسيرةٍ انتحارية تنهي حكاياتهم في لحظة طيش، وعجزٌ عن تأمين أبسط احتياجات الحياة في ظل تضخم لا يرحم، نحن اليوم ندفع ضريبة "الجنون السياسي" الذي يرى في الانفجارات حلاً، بينما يرى فيها الشعوب نهايةً لكل ما بنوه بجهدهم وعرقهم.

 


إنها "حربٌ ولكن".. ولكنها تسرق منا هويتنا وتحول مدننا العريقة إلى هياكل إسمنتية باردة، وتترك في قلوبنا ثقوباً لا تملؤها خطابات التحدي الزائفة. لقد أصبحنا نعدُّ الأيام بالخسائر، متناسين أن القيمة الحقيقية للدول لا تُقاس بقوة ترسانتها، بل بمدى قدرتها على حماية حلم طفل في غدٍ بلا صفارات إنذار. هذه المقالة هي صرخة نداء سلام نابعة من إدراك عميق بأن الرصاصة لا تبني وطناً، وأن القهر لا يصنع سلاماً مستداماً، إن استمرار هذا النزيف يعني انهياراً شاملاً لا يبقي ولا يذر، وهو ما يفرض على القوى العاقلة التراجع عن حافة الهاوية فوراً، والعودة إلى طاولة المفاوضات لا كمنهزمين، بل كبشر يقدسون الحياة فوق كل اعتبار سياسي أو أيديولوجي.

 


وفي نهاية هذا اليوم المظلم، سيصمت الرصاص يوماً ما وينقشع الدخان، لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في سماء الإنسانية: "ماذا جنينا؟". هل تستحق أي رغبة في النفوذ كل هذا الثمن الباهظ من دماء الأبرياء؟ إن الحقيقة المرة هي أن الحروب تزرع بذور ضغينة لن تمحوها المعاهدات، وأن ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من السلاح، بل شجاعة الاعتراف بأن الأرض تتسع للجميع إذا ما تقاسمنا الأمل بدلاً من تقاسم الرصاص. فليتوقف هذا العبث الآن، ولنعطِ فرصة للحياة العادية التي سُرقت منا في وضح النهار، لأن الشعوب لا تريد بطولات وهمية على جثث أبنائها، بل تريد حقها البسيط في أن تنام دون أن يكون "الوداع" هو فكرتها الأخيرة قبل إغماض العين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء