«اختبار المرونة».. كيف يحمي تحرير سعر الصرف الجنيه من زلزال حرب إيران؟
في ظل تصاعد الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، الذي دخل يومه الثالث، يبرز سؤال ملح: كيف يمكن للاقتصاد المصري، الذي يعتمد بشكل كبير على الاستقرار الإقليمي، أن يواجه صدمة ارتفاع أسعار النفط وتوقف تدفقات الغاز والتأثير على إيرادات قناة السويس؟
والإجابة، وفقاً لآراء خبراء مصرفيين واقتصاديين تحدث معهم إيجبتك، تكمن في «المرونة» التي منحها تحرير سعر صرف الجنيه المصري، الذي أصبح أداة أساسية لامتصاص الصدمات الخارجية دون تكرار أزمات سابقة مثل تلك التي شهدتها مصر في 2022.
إغلاق مضيق هرمز يربك الاقتصاد العالمي… والقطاع المصرفي المصري في اختبار صعب
دخل الاقتصاد العالمي، ومعه منطقة الشرق الأوسط، مرحلة بالغة الحساسية عقب تنفيذ تهديدات إغلاق مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، فقد فجر القرار حالة من الارتباك في الأسواق الدولية، وفتح باب القلق داخل مصر بشأن قدرة الجهاز المصرفي على احتواء صدمة سلاسل الإمداد وتأمين فاتورة الاستيراد التي يُتوقع أن تقفز إلى مستويات غير مسبوقة.
النفط عند 130 دولار… ضغط مباشر على الموازنة
قبل تفاقم الأزمة، رسم بنك "باركليز" سيناريوهات حذرت من وصول سعر برميل النفط إلى 80 دولارًا كبداية، مع إمكانية تجاوز حاجز 100 دولار إذا تصاعدت التوترات، ومع توقف الملاحة في المضيق، لم تعد هذه التقديرات نظرية، فقد ذهبت إلى ارتفاع يصل إلى 130 دولاراً، مما يعيد التضخم ويؤجل تخفيضات الفائدة العالمية.
بالنسبة لمصر، التي تضع في موازنتها سعرًا تأشيريًا أقل للنفط، فإن أي ارتفاع إضافي يعني اتساع فجوة العجز، والحاجة إلى توفير سيولة دولارية عاجلة لتغطية فرق التكلفة، ما يضع ضغوطًا فورية على المالية العامة واحتياطيات النقد الأجنبي.
داخل البنوك: غرف المعاملات تتحول إلى خلية أزمة
في قلب البنوك المصرية، لم تعد غرف المعاملات الدولية تهدأ، استطلعت مصادرنا ملامح خطة الطوارئ التي تتبعها هذه الغرف لإدارة الأزمة، والتي ارتكزت على:
1. أولوية “الخط الأحمر”
صدرت توجيهات واضحة بإعطاء أولوية قصوى لفتح الاعتمادات المستندية للسلع الاستراتيجية، وعلى رأسها المحروقات والقمح والأدوية ومستلزمات الإنتاج الغذائي وذلك لضمان عدم تعطل الإمدادات الحيوية للسوق المحلي.
2. البحث عن سيولة بديلة
تتحرك البنوك لتأمين تدفقات دولارية إضافية، سواء عبر تفعيل خطوط ائتمان مع بنوك دولية أو البحث عن أسواق تمويل بديلة، لمواجهة الطلب المتزايد على الدولار لتغطية واردات النفط المرتفعة التكلفة.
3. التحوط ضد تقلبات الأسعار
بدأت البنوك تقديم استشارات موسعة للمستوردين بشأن أدوات التحوط من مخاطر تقلب الأسعار، رغم ارتفاع تكلفتها، في محاولة لتقليل أثر القفزات السعرية المفاجئة على ميزانيات الشركات.
تسونامي الشحن… التضخم المستورد يطرق الأبواب
لم تقتصر الأزمة على سعر النفط فقط، بل امتدت إلى تكلفة نقله ووصوله.
ارتفاع جنوني في الشحن والتأمين
إعادة توجيه مسارات السفن إلى طرق أطول وأكثر خطورة أدت إلى قفزة في أسعار الشحن البحري وبوالص التأمين، ما يضيف عبئًا جديدًا على تكلفة الاستيراد.
اضطراب سلاسل الإمداد
التأخير في وصول المواد الخام قد يخلق نقصًا في المعروض بالسوق المحلي، ويدفع الأسعار للصعود، خاصة في السلع الغذائية والصناعية.
مرونة الجنيه.. درع ضد الخروج الساخن للاستثمارات
يؤكد طارق متولي، الخبير المصرفي ونائب رئيس مجلس إدارة بنك بلوم مصر سابقاً، أن هيكل الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على استيعاب تحركات رؤوس الأموال الدولية بفضل تحرير سعر الصرف.
في تصريحات خاصة، قال متولي: تواجد 'الأموال الساخنة يمثل أداة حيوية لدعم برامج الإصلاح، لكن التعامل معها كاستثمارات قصيرة الأجل يمنع الهزة في السيولة كما حدث في 2022.
وأرجع ذلك إلى صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي، الذي قفز إلى 29.5 مليار دولار بنهاية يناير 2026، بزيادة 4 مليارات دولار في شهر واحد، مدعوماً باحتياطي نقد أجنبي قياسي بلغ 52.6 مليار دولار، يغطي 6.9 أشهر من الواردات.
يضيف متولي أن تحرير سعر الصرف يسمح للجنيه بالتكيف التلقائي مع الصدمات، مما يقلل من الفجوة بين الأصول والالتزامات الدولية، لافتًا إلى أن تجربة 2011 أثبتت نجاح الإدارة المالية في التعامل مع خروج الأموال دون أزمات كبرى، وهو النهج الحالي لتفادي تكرار 2022.
وأشار إلى أن التوترات في قناة السويس – التي حققت 449 مليون دولار إيرادات منذ بداية 2026 بنمو 22% – قد تضغط على التوقعات، لكن المرونة النقدية تحول دون انهيار.
آراء دولية.. التحرير يعزز الاستقرار أمام الصدمات الجيوسياسية
تدعم كريستالينا جورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي (IMF)، هذا الرأي، معتبرة أن "النظام متعدد أسعار الصرف كارثة، والتحول إلى سعر صرف مرن يجلب الاستقرار ويحمي من التضخم".
في تصريحاتها في فبراير 2024 مع دخول مصر برنامجها الجديد مع الصندوق، أكدت جورجييفا أن المرونة تمنح الدول مثل مصر قدرة أكبر على مواجهة الصدمات الخارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن الصراعات، من خلال تعديل تلقائي يقلل الضغط على الاحتياطيات.
وفي تقرير حديث لصندوق النقد، أشادت جورجييفا بالإفراج الفوري عن 2.3 مليار دولار لمصر، الذي يعزز السيولة الأجنبية ويقلل من مخاطر الخروج المفاجئ للاستثمارات، خاصة مع تراجع الجنيه إلى 48.8 مقابل الدولار مؤخراً.
لكنه يرى في مرونة الجنيه «فرصة لامتصاص الضغوط»، محذراً من الشراء السريع للانخفاضات في الأسواق الناشئة مثل مصر، حيث قد يؤدي النزاع المطول إلى إعادة تسعير المخاطر.
يؤيد يزيد صايغ، خبير في شؤون الشرق الأوسط في تشاتام هاوس، أن تحرير سعر الصرف يعالج الخوف من التعويم الذي كان يعيق مصر سابقاً، مما يسمح بتعديل تدريجي يحمي الاحتياطيات من الصدمات الجيوسياسية مثل الحرب الحالية. في تحليل نشر في مارس 2024، أكد صايغ أن التعويم يوفر استقراراً طويل الأمد بدلاً من الربط الجامد الذي يفاقم الفجوات أثناء الأزمات.
تحديات قادمة ودروس الماضي
مع ذلك، يحذر الخبراء من مخاطر إذا طال الصراع، فقد أكد الرئيس السيسي في اجتماع مع أجاي بانغا، رئيس مجموعة البنك الدولي، إن النزاع قد يرفع أسعار الطاقة ويعطل الملاحة في البحر الأحمر، مما يكلف مصر مليارات إضافية بعد خسائر 10 مليارات دولار من أزمة غزة السابقة.
كما أشارت تقارير من أكسفورد إيكونوميكس إلى أن إغلاق هرمز قد يدفع النفط إلى 130 دولاراً، مما يؤثر على الاقتصادات الناشئة مثل مصر عبر تضخم وتشديد السيولة.
يتفق الخبراء على أن تحرير سعر الصرف حول الجنيه إلى اختبار مرونة ناجح، يحمي مصر من زلزال الحرب الأمريكية الإيرانية من خلال امتصاص الصدمات وتعزيز الثقة الدولية، ومع ذلك، يظل الاستقرار مرهوناً بمدة النزاع، مع دعوات لتعزيز الاحتياطيات وتنويع المصادر الطاقية لمواجهة المخاطر المستقبلية.