رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكايات ساعة قبل الفطار.. بلاش تسافر

حكايات ساعة قبل الفطار
حكايات ساعة قبل الفطار

في المجموعة القصصية حكايات ساعة قبل الفطار للكاتب إبراهيم عبد المجيد، تتنوع اللحظات بين الحنين والدفء والمفارقات اليومية التي تحيط بشهر رمضان الكريم، كل قصة هنا تحمل معها أجواء خاصة، بين انتظار المدفع، وطقوس الإفطار، ومحادثات القلب الصغيرة، التي تكشف عن أسرار البشر وعلاقاتهم.

في قصة اليوم، بلاش تسافر، نعيش لحظات دقيقة بين الحب والخوف والارتباك، حين تحاول الفتاة أن تقنع أمها بالسماح لها بالإفطار مع خطيبها، ونجتمع معهما على شاطئ البحر بين الموج والطيور، لنشاهد كيف تتشابك الرغبة بالاقتراب من الحبيب مع شعور القلق على المستقبل، في رمضان الذي يمنح لكل لحظة طعماً وعمقًا خاصًا.

بلاش تسافر

منذ ثلاثة أيام، تحاول آمال أن تقنع أمها بأن تتركها تفطر مع خطيبها خارج المنزل..

ـ  ليه يا ماما ترفضي أخرج معاه؟
أجابتها أمها:

ـ كفاية كده سنتين خطبة، ولا جاب شقة ولا عمل أي حاجة لمستقبله.

قالت آمال:

ـ  ياماما مش بإيده؟

ـ لأ، بإيده… جات له فرص كتير يسافر الخليج، وكل مرة يرفض. جوز أختك هناك بعت له أكثر من مرة، وأخوكي كمان بعت له.. وقلناله يسكن في الشقة اللي بابا اشتراها لك، ورفض. إنتي بتحبيه على إيه؟

قالت:

ـ  ياماما، محمد شاعر ومكانه هنا مصر. وانتي عارفة أنا بحب الشعر والأدب... محمد مثقف، ياماما، واحنا بنحب بعض من أيام الجامعة، وحضرتك عارفة.

كانت أمها تنظر إليها ساخرة:

ـ  شاعر… بذمتك بتفهمي اللي بيكتبه؟ خلاص، روحي افطري معاه.

ابتسمت آمال وقالت:

ـ  بس ياريت تقولي له يحط نهاية للحكاية دي. فيه عشرة ورا الباب ده يتمنوا رضاكي.. بعدين، حتفطروا فين إن شاء الله؟

ـ في المكس على البحر عند الفنار، عند اللول.

ـ  مين؟

ـ  اللول… مطعم سمك شعبي على المية على طول.

ضحكت أمها:

ـ يالهوي، باحسبك حتقولي «سي جل». روحي، ولما ترجعي ما تحكيليش حاجة.

وتركتها أمها في غيظ.

اختار محمد مكانًا بعيدًا بأمتار قليلة عن الناس. الموج تحت أقدامهما، والفنار القديم أمامهما، وعلى الشاطئ فقراء حي القباري والورديان الذين آثروا البقاء على الشاطئ طول النهار، وسيمضون أيضًا جزءًا من الليل فالجو صيف. صوت الموج الذي يتهادى إلى الشاطئ لا ينقطع، والشمس هناك في الغرب تنزل إلى الماء وتصبغ الأفق بحمرتها الشهية.

سفن تقف بعيدًا تنتظر دخولها إلى الميناء، وسفينة خارجة من الميناء تبتعد في الماء. عامل من عمال المطعم القليلين يضع أمامهما أطباق السلاطة. حين وضع العامل أطباق السمك، هتفت آمال سعيدة:

ـ  الله، كابوريا وكاليماري ودنيس كمان… كميات بسيطة بس قلت أنوع في الأكل.

قالت له:

ـ  أول مرة في حياتي أكل جنب المية كده… المكان هنا حلو أوي.

كان هو ينظر إلى طيور النورس التي تدور فوق الماء، تبتعد وتعلو ثم تعود، تنزل إلى الماء تخطف شيئًا وترتفع به إلى الفضاء، ثم تعود للدوران.
لاحظت هي ذلك أيضًا، فقالت:

ـ  هو النورس بينزل المية ليه؟
ابتسم وقال:

ـ  بيلقط السمك. جميل أوي.

انطلق مدفع الإفطار، وبدأ الحاضرون في الأكل، بينما قام بعضهم بالصلاة بعد أن فردوا مصلية كانوا معهم على الأرض. وانساب صوت الشيخ محمد رفعت يؤذن بصوته الذي خلقه الله للسكينة والوداعة والرضا.

سكتا قليلًا وراحا يأكلان في صمت. طال الصمت، فقالت:

ـ  أنا مش عايزاك تسافر.

ابتسم وعاد للأكل. قالت:

ـ  إحنا كده كويسين، وأنا مش حاتخلي عنك أبدًا.
ارتبك للحظة، ثم عاد يمضغ الطعام شاردا يفكر أنه لابد قد أثير في ذهنها كلام عن تخليها عنه.
قال لها:

ـ  بس أنا خلاص، حاسافر.

هلت الفرحة من عينيها، وافترشت وجهها، ثم وضعت يدها على يده:

ـ مقتنع يا حبيبي؟

ـ مقتنع… لابد من نهاية يا آمال.

عادا إلى الصمت، وراح من جديد ينظر إلى طيور النورس.

رأى أحدها يترك السرب الذي يدور بينه ويقترب من الشاطئ، ثم يعود إلى السرب من جديد. ومرة أخرى عاد إلى صخور الشاطئ يحوم فوقها ويعود إلى السرب البعيد فوق الماء.

حاجة غريبة… طائر نورس جاء مرتين يطير فوق الصخور ثم رجع للسرب الأصلي فوق الماء.
ابتسمت وقالت:

ـ عادي… مش بيطير وبعدين إزاي عرفت إنه هو نفسه؟

قال بلهفة:

ـ  بصي… أهو جاي.

نظرت حيث أشار، فرأت طائر النورس يقبل مسرعًا في الفضاء، يدور أكثر من دورة فوق الصخور، يرتفع ثم ينخفض ثم يرتفع من جديد، ثم يهبط بسرعة فائقة يصل برأسه إلى الصخور ويعود، ثم يرتفع بعيدًا فوق الماء.

لكنه ارتفع جدًا وبشكل فائق، ثم صرخ صرخة مدوية وسقط بسرعة إلى الماء، ليختفي وسط الموج. ابتعدت طيور النورس بسرعة في كل اتجاه وحلقت عاليًا وبدأت تصرخ، وبدا أنها ستترك الشاطئ.

قالت بدهشة:

ـ ماذا جرى؟

لكن اللول، صاحب المطعم وهو صياد قديم، وقف قريب منهما وقال:

ـ  نورس غشيم… نزل الصخر خطف كابوريا… أكيد غرست رجلها فيه… مات؟ البحر واسع قدامه، وكله خير… ليه بس يروح للصخر.

طال بينهما الصمت، وهما يستكملان الإفطار. في اللحظة التي انتهيا فيها، قالت له بشفقة وخوف:
ـ أنت بتحبني يا محمد؟

نظر إليها نظرة عميقة كلها شغف وحب، وقال:

ـ قد البحريا يا آمال.

قالت وهي تمسك بيده:

ـ خلاص… علشان خاطري… بلاش تسافر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء