رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يمثل التصعيد العسكري الأخير الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع الإقليمي، حيث انتقلت المواجهة من نمط الصراع الرمادي الذي يعتمد على العمليات غير المباشرة والضغوط الاقتصادية والاستخباراتية، إلى نمط أكثر وضوحًا يقوم على توظيف القوة العسكرية المباشرة كأداة لإعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية، وهذا التحول لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتجاوز مجرد تحييد قدرات عسكرية إيرانية محددة، ليعكس توجهًا لإعادة هندسة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بما يخدم تصورات جديدة المعادلات القوة والنفوذ.

يأتي هذا التصعيد في توقيت بالغ الحساسية، حيث يشهد النظام الإقليمي حالة سيولة استراتيجية غير مسبوقة نتيجة تراجع بعض أنماط الردع التقليدية، مقابل صعود أدوار فاعلين جدد وتزايد الاعتماد على القوة العسكرية كوسيلة لحسم التنافس كما أن الضربات الأخيرة تعكس إدراكًا أمريكيًا إسرائيليا بأن ترك إيران تواصل تطوير قدراتها العسكرية، خاصة في مجالات الصواريخ والردع غير التقليدي، قد يؤدي إلى تثبيت معادلة ردع متبادل تحد من حرية الحركة الأمريكية والإسرائيلية مستقبلًا.

بمعنى آخر، فإن الهدف الأساسي من هذه الضربات هو منع تشكل توازن ردع مستقر مع إيران، لأن تحقيق هذا التوازن سيفيد القدرة على فرض الإرادة السياسية والعسكرية في الإقليم ومن هنا، فإن الضربات تحمل طابعًا استباقيا، وتسعى إلى فرض واقع استراتيجي جديد قبل أن تتمكن إيران من الوصول إلى مرحلة الردع الكامل.

إن طبيعة العمليات العسكرية تشير إلى أن الهدف لا يقتصر على تحقيق تأثيرات تكتيكية، وإنما يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، فالولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تأكيد دورها كضامن رئيسي للأمن الإقليمي، خاصة في ظل تزايد الشكوك لدى بعض الحلفاء حول مدى التزامها طويل المدى بأمن المنطقة، أما إسرائيل، فإنها تسعى إلى تثبيت معادلة استراتيجية جديدة تقوم على توسيع نطاق الردع، بحيث لا يقتصر على حماية حدودها المباشرة، وإنما يمتد ليشمل منع أي قوة إقليمية من تطوير قدرات يمكن أن تهدد تفوقها النوعي وهذا يعكس انتقال إسرائيل من مرحلة الدفاع الاستراتيجي" إلى مرحلة "الهجوم الوقائي"، بهدف إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها.

في المقابل، فإن إيران تدرك أن قبول هذه المعادلة سيؤدي إلى تقليص دورها الإقليمي بشكل كبير، وهو ما يدفعها إلى تبني استراتيجية تقوم على امتصاص الضربة، وتجنب الانجرار إلى مواجهة شاملة قد تمنح خصومها مبررًا لتوسيع العمليات مع الاحتفاظ بخيارات الرد غير المباشر للحفاظ على مصداقية الردع

لا يمكن فهم هذا التصعيد بمعزل عن الهدف الأوسع المتمثل في إعادة تشكيل النظام الإقليمي وأن الصراع الحالي يعكس محاولة لإعادة توزيع القوة بطريقة تضمن بقاء التفوق العسكري والاستراتيجي للمحور الأمريكي الإسرائيلي، ومنع ظهور قوة إقليمية منافسة قادرة على تحدي هذا التفوق، كما يسعى هذا التصعيد إلى توجيه رسائل ردع متعددة المستويات، ليس فقط لإيران، وإنما لمجمل الفاعلين الإقليميين، مفادها أن استخدام القوة العسكرية لا يزال أداة حاسمة في إدارة التوازنات، وأن الخطوط الحمراء التي يتم تجاوزها ستواجه برد مباشر.

وفي الوقت ذاته، فإن هذا التصعيد يمثل اختبارًا لقدرة إيران على الحفاظ على تماسكها الداخلي واستمرار دورها الإقليمي، حيث تراهن بعض الأطراف على أن الضغوط العسكرية قد تؤدي إلى إضعاف قدرتها على الاستمرار في لعب دور إقليمي مؤثر

المعطيات الحالية تشير إلى عدة سيناريوهات المسار التصعيد محتملة يتمثل السيناريو الأول في احتواء التصعيد ضمن حدود محسوبة، بحيث تقتصر العمليات على ضربات محدودة دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو سيناريو تفضله معظم الأطراف لتجنب كلفة المواجهة المفتوحة.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار التصعيد بشكل تدريجي، عبر تبادل ضربات محدودة على فترات متقطعة، بما يؤدي إلى حالة من الاستنزاف الاستراتيجي دون الوصول إلى حرب تقليدية واسعة

ويبقى السيناريو الأكثر خطورة هو انزلاق الأوضاع نحو مواجهة إقليمية شاملة، خاصة إذا خرجت بعض العمليات عن نطاق السيطرة، أو إذا قررت إيران الرد بشكل مباشر على أهداف استراتيجية، بما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع.

وفي ظل هذه البيئة الإقليمية المضطربة تبرز أهمية تعزيز الوعي الاستراتيجي كأحد أهم أدوات الأمن القومي ، وأن الوعي بطبيعة التهديدات وأبعاد الصراع يمكن الدول من اتخاذ قرارات أكثر توازنا، وتجنب الانجرار إلى مسارات قد تضر بمصالحها كما أن قوة الجبهة الداخلية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات الخارجية فالدول التي تتمتع يتماسك داخلي واستقرار سياسي واقتصادي تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات والتعامل مع المتغيرات.

في المحصلة، فإن التصعيد العسكري الحالي لا يمثل مجرد مواجهة عسكرية محدودة، وإنما يعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة تشكيل النظام الإقليمي، حيث تسعى القوى الفاعلة إلى إعادة تعريف موازين القوة، وفرض معادلات جديدة وستتوقف ملامح المرحلة المقبلة على قدرة الأطراف المختلفة على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وعلى قدرة دول المنطقة على تعزيز تماسكها الداخلي والتكيف مع واقع استراتيجي يتسم بدرجة عالية من التعقيد وعدم اليقين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء