انقسام "عصبة الثمانية".. ترامب في مواجهة مع الديمقراطيين حول صلاحيات الحرب
أحدث إعلان الرئيس دونالد ترامب عن انطلاق العملية العسكرية ضد النظام الإيراني زلزالًا سياسيًا داخل واشنطن، مفجرًا انقسامات حادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول شرعية وأهداف التصعيد. ورغم استناد الإدارة في تحركها إلى إحاطة سرية لعصبة الثمانية في الكونجرس لتبرير المباغتة العسكرية، إلا أن حدة الانتقادات تصاعدت من جانب المشرعين الديمقراطيين الذين اعتبروا دعوة ترامب الصريحة للشعب الإيراني للاستيلاء على السلطة تجاوزًا خطيرًا للتفويض الممنوح للرئيس، وقفزًا فوق الأهداف المعلنة المتعلقة بالبرامج النووية والصاروخية نحو استراتيجية غير محسوبة لتغيير النظام.
وفي قلب هذا الصراع الدستوري، يضغط قادة في المعارضة لإصدار قرار يقيد صلاحيات الحرب لدى الرئيس، محذرين من انزلاق الولايات المتحدة إلى نزاع إقليمي مفتوح دون غطاء تشريعي كامل، خاصة مع اتساع نطاق العمليات ليشمل تدمير الترسانة البعيدة المدى وملاحقة الميليشيات الموالية لطهران.

في المقابل، يرى حلفاء ترامب في الكونجرس أن هذه الخطوة تمثل حسمًا طال انتظاره للتهديد الإيراني، معتبرين أن مقتضيات الأمن القومي تمنح القائد الأعلى مرونة التحرك الفوري لفرض واقع جديد في الشرق الأوسط، ما يجعل العاصمة الأمريكية أمام مواجهة سياسية لا تقل ضراوة عن المواجهة العسكرية في الميدان.
وفي الوقت الذي تتحصن فيه الإدارة الأمريكية خلف السرية الاستخباراتية لعصبة الثمانية لتمرير ضرباتها الخاطفة، يبرز السؤال الجوهري حول ما إذا كانت واشنطن قد حسمت خيارها بالانتقال من استراتيجية الردع بالوكالة إلى المواجهة الوجودية مع النظام الإيراني.
صراع الصلاحيات وانقسام عصبة الثمانية
انقسم المشرعون الأمريكيون حول قانونية الانفراد بقرار الحرب، وتركز الخلاف الجوهري على مدى صلاحية البيت الأبيض في شن عمليات عسكرية شاملة دون استصدار تفويض رسمي من الكونجرس، وهو ما اعتبره قانونيون ديمقراطيون خرقًا لقانون صلاحيات الحرب المعمول به منذ عقود، والذي يقيد قدرة الرئيس على زج القوات الأمريكية في نزاعات طويلة الأمد.
وفي كواليس الكابيتول، كشف رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن دور محوري لعصبة الثمانية في التمهيد للعملية، مؤكدًا أن القيادات الحزبية الأربعة من كل جانب تلقوا إحاطات استخباراتية فائقة السرية قبل أيام من الهجوم.
من جانبهم، شنّ أقطاب الحزب الديمقراطي هجومًا لاذعًا على استراتيجية الإدارة، معتبرين أن إشراك العصبة لا يعد بديلًا عن التصويت العلني داخل القبة التشريعية، وحذر المشرعون المعارضون من التحريض على الاستيلاء على مؤسسات الدولة، إذ تعكس هذه التصريحات أجندة خفية تهدف إلى تغيير النظام بالقوة، وهو ما يتجاوز التفويضات التقليدية المتعلقة بحماية الأمن القومي ومكافحة الإرهاب أو تحجيم الطموح النووي.
وعلى وقع هذا الاستقطاب، بدأ عدد من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب تحركات عاجلة لتقديم مشروعات قوانين تهدف إلى قطع التمويل عن العمليات الهجومية غير الحاصلة على موافقة برلمانية.
معادلة الأمن الإقليمي الجديد
على الصعيد الميداني والاستخباراتي، كشفت العملية العسكرية على إيران عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، تحت إشراف مباشر من مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الامريكية ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف.

لم يقتصر هذا التنسيق على تبادل المعلومات، بل امتد ليشمل إدارة غرفة عمليات مشتركة استهدفت شل قدرات الردع الإيرانية في الساعات الأولى للعملية، عبر تعطيل أنظمة الرادار والدفاع الجوي في المنشآت الحيوية.
وتهدف الاستراتيجية الاستخباراتية المتبعة إلى تفكيك ما يُعرف بمحور المقاومة من الداخل، عبر استهداف خطوط الإمداد والاتصال بين طهران وأذرعها الإقليمية في لبنان واليمن والعراق. وبحسب تقارير أمنية، ركزت الضربات بشكل جراحي على مراكز التحكم والسيطرة التابعة للحرس الثوري، لضمان قطع التواصل مع الفصائل الموالية له، مما يحرم إيران من ورقة الرد بالوكالة التي كانت تعتمد عليها لعقود في مواجهاتها مع الغرب.
وفي إطار السعي لفرض أمن إقليمي جديد، يسعى البيت الأبيض من خلال هذه العملية إلى تدمير الترسانة الصاروخية بعيدة المدى والطائرات المسيرة بشكل نهائي، باعتبارها التهديد المباشر لحلفاء واشنطن ولحركة الملاحة الدولية.
وتهدف العملية إلى خلق منطقة عازلة تقنية، تجعل من الصعب على أي نظام مستقبلي في طهران إعادة بناء قدرات هجومية تهدد استقرار دول الجوار أو مصادر الطاقة العالمية.
ختامًا، يبرز الرهان الأمريكي على قدرة المنظومات الدفاعية المشتركة في المنطقة على استيعاب موجات الرد الانتقامي المتوقعة، حيث تم تفعيل بروتوكولات حماية القواعد الأمريكية والمنشآت النفطية في الخليج بأقصى درجاتها.
إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط
تجاوزت أصداء الحرب على إيران الحدود الجغرافية لطهران لتحدث زلزالًا في التوازنات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، حيث وضعت واشنطن حلفاءها وخصومها أمام واقع جديد ينهي حقبة الوكلاء ويبدأ زمن المواجهة المباشرة.
وتهدف الضربة الأمريكية-الإسرائيلية المنسقة بالأساس إلى كسر الهلال الشيعي الممتد من طهران إلى بيروت، مما يجبر القوى الإقليمية على إعادة تموضعها السياسي بناءً على تآكل نفوذ الحرس الثوري في العواصم الأربع التي طالما تباهت إيران بالسيطرة عليها.
وفي سياق الصراع الدولي، تمثل هذه العملية تحديًا مباشرًا للنفوذ الروسي والصيني في المنطقة، حيث كانت طهران تمثل حجر الزاوية في استراتيجية تعدد الأقطاب التي تسعى إليها موسكو وبكين لمزاحمة الوجود الأمريكي.
أما على صعيد أمن الطاقة والممرات المائية، فقد وضعت العملية مضيقي "هرمز" و"باب المندب" في قلب العاصفة الجيوسياسية، وسط مخاوف دولية من تحول هذه الممرات إلى ساحات لتصفية الحسابات عبر الألغام البحرية والزوارق الانتحارية.
وتعمل واشنطن حاليًا على حشد تحالف دولي لتأمين تدفق النفط، معتبرة أن كسر شوكة الحوثيين في اليمن وتدمير الترسانة البحرية للحرس الثوري هما المفتاح لتأمين التجارة العالمية من الابتزاز السياسي الذي مارسته طهران لسنوات.

عطفًا على ما سبق، تؤسس هذه المواجهة لشرق أوسط جديد تتقلص فيه الخيارات أمام القوى التابعة لإيران، حيث لم يعد الرهان على الصبر الاستراتيجي مجديًا أمام اندفاعة ترامب العسكرية.
وتتجه الأنظار الآن نحو العواصم الخليجية والقاهرة وأنقرة لرصد كيفية تعاطيها مع الفراغ الأمني المحتمل في حال انهيار هيكلية النفوذ الإيراني، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو استقرار مفروض بالقوة أم إلى فوضى جيوسياسية يصعب السيطرة على تداعياتها العابرة للحدود.
خاتمة
في الوقت الذي يشتعل فيه الجدل داخل أروقة الكونجرس حول شرعية التفرد بقرار الحرب، يبقى الرهان الحقيقي معلقًا على الداخل الإيراني ومدى استجابته لدعوات التغيير؛ فإذا نجحت المقامرة الأمريكية في تحفيز تحول داخلي ينهي طموحات طهران التوسعية، فقد نكون أمام ولادة فعلية لنظام إقليمي جديد؛ أما إذا انزلقت الأمور نحو حرب استنزاف مفتوحة تشارك فيها أذرع إيران الانتحارية، فإن الضربة الأمريكية قد تتحول إلى شرارة لنزاع إقليمي لا يمكن التنبؤ بنهايته أو بآثاره على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.