باسم أبو سمية: استهداف طهران كشف هشاشة الشارع الأمريكي حول قرار الحرب
قال الدكتور باسم أبو سمية، الباحث السياسي، أن الولايات المتحدة تعيش حالة انقسام سياسي ومجتمعي غير مسبوقة، تفاقمت منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، حيث ساهمت سياساته وخطابه في تعميق الفجوة بين مكونات المجتمع الأمريكي، سواء على المستوى الحزبي أو الشعبي.
وأشار إلى أن أحدث استطلاع رأي أجرته وكالة رويترز أظهر أن 27% فقط من الأمريكيين يؤيدون الضربات العسكرية، مقابل 43% يعارضونها، فيما امتنع نحو 29% عن إبداء رأيهم، وتعكس هذه الأرقام حالة التردد والانقسام، إذ إن ربع الأمريكيين فقط يدعمون التصعيد، بينما تميل الكفة بوضوح إلى معسكر الرافضين، ما يعكس هشاشة الإجماع الداخلي حول قرار الحرب.
صراع الحزبين وتأثيره على قرار الحرب
وأضاف أبو سمية، خلال مداخلة على شاشة النيل للأخبار، أن الانقسام لا يقتصر على الشارع، بل يمتد إلى النخبة السياسية، في ظل الاستقطاب التقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فهناك قيادات ديمقراطية بارزة تعارض التورط في حرب جديدة، معتبرة أن أي تصعيد واسع سيجر الولايات المتحدة إلى تداعيات خطيرة داخليًا وخارجيًا.
ولفت إلى أن قرار الحرب، وفق الأعراف الدستورية، كان يتطلب عرض الأمر على الكونغرس، إلا أن ترامب مضى في مسار التصعيد دون توافق تشريعي كامل، ما أثار انتقادات حادة بشأن تجاوز المؤسسات، ويرى معارضوه أن تغييب الكونجرس عن قرار بهذا الحجم يعمق أزمة الثقة بين الإدارة ومؤسسات الدولة.
ضغوط داخلية وملفات شائكة
وأكد إن تحليلات داخل الولايات المتحدة تطرقت إلى احتمال تأثر قرار التصعيد بضغوط سياسية داخلية، من بينها ما يرتبط بملفات مثيرة للجدل مثل قضية رجل الأعمال الراحل جيفري إبستين، حيث يرى بعض المنتقدين أن افتعال أزمات خارجية قد يُستخدم أحيانًا لصرف الأنظار عن أزمات داخلية.
وبين أبو سمية أن هذا الطرح يتبناه قطاع من المعارضين للحرب، الذين يرون أن توقيت التصعيد جاء رغم مؤشرات إيجابية عن تقدم في مسار التفاوض، خاصة مع حديث وساطات إقليمية عن اقتراب اتفاق محتمل، غير أن قرار التحرك العسكري قلب الطاولة على تلك المساعي، وأعاد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة.
ثقة ترامب وخطاب تحقيق الأهداف
وحول الثقة الكبيرة التي يظهرها ترامب في خطاباته، أوضح الباحث السياسي أن الرئيس الأمريكي يتصرف باعتباره صاحب القرار الأول والأخير، ويتحدث من منطلق السيطرة الكاملة على مسار العمليات، ففي تصريحاته الأخيرة، بدا واثقًا من أن الأهداف تتحقق تباعًا، وأن العمليات تسير وفق المخطط، مشيرًا إلى أن هذه الثقة، لا تعني غياب التأثيرات الخارجية، إذ تخضع الإدارة الأمريكية لضغوط متعددة، سواء من حلفاء إقليميين أو من جماعات ضغط فاعلة داخل واشنطن، إضافة إلى تيارات دينية وسياسية تدفع باتجاه تبني مواقف أكثر تشددًا تجاه إيران.
وتابع إن من أبرز نقاط الجدل، غياب هدف استراتيجي واضح ومحدد للحرب، فالتصريحات الأمريكية تنوعت بين الحديث عن تدمير القدرات النووية الإيرانية، وتقليص برنامج الصواريخ الباليستية، وصولًا إلى التلميح بإسقاط النظام أو تحرير الشعب الإيراني.
وفي ختام حديثه، أكد الباحث السياسي، على أن المضي في التصعيد دون أفق سياسي واضح قد يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة، ليس فقط بالنسبة لإيران، بل أيضًا للولايات المتحدة نفسها، في ظل انقسام داخلي عميق، ومعارضة سياسية متصاعدة، ومخاوف من تكرار تجارب سابقة أثقلت كاهل الاقتصاد الأمريكي وأربكت المشهد الدولي.

