وزير الأوقاف: سيرة الليث بن سعد فلسفة إسلامية متكاملة في إدارة الثروة
استعرض الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، مشهدًا فريدًا من سيرة الإمام الليث بن سعد، كاشفًا عن نموذج استثنائي في التعامل مع المال، يجمع بين الثراء الفاحش والزهد الحقيقي، وبين النجاح الاقتصادي والكرم الذي لا يعرف حدودًا.
وأوضح أن العائد السنوي الصافي من مزارع الإمام وتجاراته واستثماراته كان يبلغ نحو 80 ألف دينار ذهبًا، وهو رقم ضخم بمقاييس عصره، وإذا ما قُدر بقيمة الذهب اليوم، فإن العائد السنوي يوازي مليارات الجنيهات، ما يعكس حجم الثروة التي كان يمتلكها هذا الإمام الفقيه.
بين من يملك المال ومن يملكه المال
وأضاف الأزهري، خلال تقديمه برنامج إمام من ذهب، على فضائية DMC، إن الفارق الجوهري بين إنسان يملك المال فيتحكم فيه ويوجهه للخير، وآخر يملكه المال فيتحول إلى عبدٍ له، تحركه شهوة التكديس ونهم الزيادة، ولو على حساب القيم والحقوق، واستشهد بحديث النبي ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم»، في إشارة إلى خطورة الاستعباد للمال.
وأكد أن الليث بن سعد كان سيدًا على ماله، لا عبدًا له، فكان ينفق بسخاء، ويعطي بلا تردد، ويجود بلا معاناة نفسية أو شح داخلي، حتى صار نموذجًا نادرًا في تاريخ الثراء الإسلامي.
ثروة بالمليارات ولا زكاة واجبة
وأشار الدكتور أسامة الأزهري، إلى المفارقة المذهلة في سيرة الإمام، وهي أنه رغم ثروته الطائلة، لم تجب عليه الزكاة قط طوال حياته بعد البلوغ، والسبب ليس التهرب أو التحايل، بل لأنه لم يكن يترك المال حتى يحول عليه الحول، إذ كان ينفقه كله في وجوه الخير قبل اكتمال السنة.
وبين أن من يحقق دخلًا سنويًا ضخمًا، من الطبيعي أن تتراكم لديه الأموال عامًا بعد عام، فتتضاعف الثروة وتزداد الزكاة. لكن الليث كان ينفق كل ما يدخل عليه تقريبًا، حتى لا يبقى لديه عند تمام الحول ما يبلغ نصاب الزكاة.
سبعون عامًا من العطاء المتواصل
وأوضح لقد عاش الإمام الليث بن سعد قرابة ثمانين عامًا، منها ما يقارب سبعين عامًا في عطاء وثراء مستمر، ومع ذلك لم تُسجل سنة واحدة وجبت عليه فيها الزكاة، لأنه كان يفرغ يده من المال قبل أن يمر عليه عام كامل، وهذا السلوك يكشف طاقة نفسية استثنائية، ونفسًا امتلأت يقينًا وثقة بالله، حتى صار الإنفاق عنده عادة مستمرة، لا موسمية ولا طارئة، فكان كريمًا كالريح المرسلة، يعطي بلا حساب، ويجود بلا حدود.
وأكد إن من أروع المواقف التي تجسد هذا السخاء، ما رواه ابنه شعيب، أنه خرج مع والده حاجًا، فلما قدما المدينة المنورة، أرسل إليهما الإمام مالك بن أنس بطبق من الرطب ترحيبًا وإكرامًا، فاستقبل الليث الهدية بفرح، ثم أمر بإفراغ الطبق، وملئه بألف دينار ذهبًا، وأعاده إلى مالك بن أنس ردًا على جميله، ألف دينار تعني ثروة ضخمة حتى بمقاييس ذلك العصر، وهي اليوم تساوي عشرات الملايين من الجنيهات.
لماذا نعجز عن مثل هذا العطاء؟
وتساءل الدكتور أسامة الأزهري: ما الذي يجعل الإنسان اليوم يتردد في إخراج صدقة محدودة، بينما كان هذا الإمام يعطي ما يوازي الملايين بطيب نفس؟ واستحضر قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾، وحديث النبي ﷺ: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، فالطبع البشري يميل إلى الإمساك، لكن النفوس الراقية ترتقي فوق هذا الطبع، وتتحرر من أسر المال، فتجعل منه وسيلة لا غاية.
وفي ختام حديثه، شدد وزير الأوقاف على إن سيرة الليث بن سعد تقدم نموذجًا عمليًا لفلسفة إسلامية متكاملة في إدارة الثروة: إنتاج واسع، نجاح اقتصادي، ثم إنفاق واسع في وجوه البر، دون تعلق أو شح، فقد كان إمامًا من ذهب، لا لأنه امتلك الذهب، بل لأنه لم يسمح للذهب أن يمتلكه. كان سيدًا على الدينار، لا عبدًا له، وترك للأجيال درسًا خالدًا في أن الثروة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيما نعطي.

