باحث: القرارات داخل إيران تواجه تحديات أمام الضغوط العسكرية والسياسية
قال جون هاريسون، الباحث في مركز ربدان للأمن والدفاع، إن المشهد الإقليمي الراهن يكتنفه قدر كبير من الغموض، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الاستراتيجية التي أعد لها الرئيس دونالد ترامب.
وأوضح أن الإدارة الأمريكية تبدو جاهزة برؤية واضحة تجاه ما تريد تحقيقه، معتبرًا أن الهدف الاستراتيجي المعلن يتمثل في إنهاء البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية، إلى جانب تقليص نفوذ طهران الإقليمي عبر أذرعها ووكلائها، وهو ما يدفع بعض الدوائر في واشنطن وتل أبيب إلى اعتبار تغيير النظام الخيار الوحيد المطروح.
خيار تغيير النظام بين القناعة والرفض
وأضاف هاريسون، خلال لقاء على فضائية سكاي نيوز عربية، أن الأمريكيين والإسرائيليين، توصلوا إلى قناعة مفادها أن المفاوضات لم تعد أداة فعالة مع طهران، وأن القيادة الإيرانية لا تتعامل مع المسار التفاوضي بجدية كاملة، ما يعزز منطق التصعيد والضغط المتزايد.
وفي المقابل، تتمسك إيران برواية مغايرة، إذ ترى أن النظام الحالي يمثل خيارًا سياديًا للشعب الإيراني، وترفض أي حديث عن تغييره باعتباره تهديدًا وجوديًا، وهذا التناقض الحاد بين الرؤيتين يدفع نحو مزيد من التوتر، ويجعل أي قرار استراتيجي في المرحلة المقبلة محكومًا باعتبارات أمنية معقدة.
وحدة القرار الأمريكي الإسرائيلي
وتناول هاريسون مسألة التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، موضحًا أن الطرفين يبدوان متقاربين في الهدف العام، لكن تفاصيل اليوم التالي تبقى محل تساؤل، فبعد أي ضربة كبرى أو عملية نوعية، يبرز سؤال: ماذا بعد؟
ويرى أن الحديث عن استهداف قيادات عليا في إيران يعكس تحركًا نحو إضعاف مركز القرار، إلا أن الصورة الكاملة لما سيؤول إليه شكل النظام بعد ذلك لا تزال غير واضحة، خصوصًا في ظل الحديث عن ترتيبات خلافة محتملة داخل المؤسسة الحاكمة، سواء عبر شخصيات بارزة أو عبر نجل المرشد.
ارتباك داخلي واحتمالات غير محسوبة
وأوضح الباحث أن القدرة على تنسيق القرارات داخل القيادة الإيرانية قد تواجه تحديات كبيرة في ظل الضغوط العسكرية والسياسية، لافتًا إلى أن بعض المؤشرات تتحدث عن قرارات قد تصدر من قيادات محلية في ظل ظروف استثنائية.
وتابع أن غياب صورة دقيقة لما يجري داخل دوائر صنع القرار في طهران يفتح الباب أمام تكهنات متعددة، بعضها يشير إلى توجهات غير عقلانية قد تعقد المشهد أكثر، في وقت تنفذ فيه واشنطن وتل أبيب استراتيجيتهما بصورة منهجية حتى الآن.
هل تملك واشنطن بديلًا جاهزًا؟
وفي ما يتعلق بحديث الإدارة الأمريكية عن وجود بديل جاهز، أكد أن هذا الطرح يفتقر حتى الآن إلى وضوح عملي، فلا توجد شخصية معارضة تحظى بإجماع داخلي واسع، كما أن أي انتقال للسلطة في إيران سيكون محفوفًا بالمخاطر.
وأشار إلى أن بعض الشخصيات المعارضة أدلت بتصريحات في الخارج، لكنها لا تملك تأثيرًا حقيقيًا داخل إيران، ما يطرح تساؤلات حول قدرة أي بديل محتمل على بسط السيطرة في حال حدوث فراغ سياسي.
دروس الماضي وهواجس التدخل البري
ولفت الباحث إلى أن التجارب التاريخية تشير إلى صعوبة إسقاط نظام سياسي واستبداله بآخر مستقر دون تكلفة باهظة، سواء سياسيًا أو عسكريًا، موضحًا أن الحديث عن تدخل بري أمريكي يظل احتمالًا ضعيفًا في الوقت الراهن، نظرًا لما قد يترتب عليه من خسائر بشرية ومادية كبيرة.
وأكد أن واشنطن تعلمت من تجارب سابقة في المنطقة، حيث لم يكن إيجاد بديل مستقر بعد إسقاط أنظمة مهمة سهلة أو ناجحة بالضرورة، ما يجعل خيار القوات البرية محفوفًا بمخاطر استراتيجية جسيمة.
تعقيد المجتمع الإيراني
وشدد على أن إيران ليست في أقصى حالات قوتها حاليًا، إذ تعرضت لاستهدافات استراتيجية أضعفت بعض قدراتها، إلا أن ذلك لا يعني سهولة تغيير النظام أو ضمان استقرار ما بعده، مشيرًا إلى أن تعقيد المجتمع الإيراني، وتداخل مكوناته السياسية والدينية والقومية، يجعل من مسألة إعادة تشكيل السلطة عملية شديدة الحساسية، كما أن حلفاء واشنطن في المنطقة يراقبون المشهد بحذر، وسط قلق من تداعيات غير محسوبة قد تمتد إلى الإقليم بأسره.
وفي ختام حديثه، أكد الباحث جون هاريسون، على أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق عدة عوامل، أبرزها طبيعة الرد الإيراني، ومدى تماسك مؤسسات الدولة، وحجم التنسيق الأمريكي الإسرائيلي في إدارة التصعيد، موضحًا أن الاستراتيجية الأمريكية قد تقوم على إضعاف النظام تدريجيًا وعزله سياسيًا وأمنيًا، دون الانخراط في تدخل بري مباشر، لكن ذلك لا يلغي احتمالية ظهور سيناريوهات مفاجئة في ظل تسارع الأحداث.

