رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ مركز باستيت: تطور العلاقات الهندية الإسرائيلية

تطور العلاقات الهندية
تطور العلاقات الهندية الإسرائيلية

لم تكن زيارة رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" لإسرائيل في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من فبراير عام 2025 مفاجئة للمراقبين، بل كانت تتويجاً لمسار طويل ومتدرج تبنته إسرائيل لبناء علاقات قوية مع الدول الآسيوية عموماً ومع الهند خاصة، منذ عدة عقود، وتحديداً منذ عقد التسعينيات ونهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق، وقد شهد هذا المسار دفعة قوية في العلاقات الهندية الإسرائيلية بعد صعود وتشكيل أول حكومة للتحالف الوطني الديمقراطي إلى السلطة بقيادة حزب "بهاراتيا جاناتا" في عام 1998، حيث أصبحت الهند أكبر مشترٍ للمعدات العسكرية الإسرائيلية من المجموعات العسكرية الإسرائيلية الثلاث "الصناعات الفضائية الجوية الإسرائيلية"، ومؤسسة "رافائيل للصناعات العسكرية" ومؤسسة "إلبيت"، حيث عقدت الهند مع هذه المؤسسات منذ بداية هذا العام اتفاقيات بقيمة 8.7 مليار دولار، لدعم الدفاع الجوي الهندي ودعم نظم المراقبة والاستطلاع والسيطرة، وقد اشتملت هذه الاتفاقيات على صواريخ جو-أرض ونظم للمراقبة.

أسفرت زيارة رئيس الوزراء الهندي عن توقيع 16 مذكرة تفاهم في مجالات ثنائية مختلفة بين الهند وإسرائيل بقيمة تقدَّر بـ 10 مليارات دولار، وأصبحت الهند بموجب نتائج هذه الزيارة ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل في آسيا.

 

تستحق هذه الزيارة وذلك التطور في العلاقات الهندية الإسرائيلية نظرة متعمقة لدلالاتها ومخاطرها من زاوية الموقف العربي من الصراع مع إسرائيل وانتهاكها لحقوق الشعب الفلسطيني خاصة مع استمرار الإبادة والقتل والتهجير، سواء في غزة أو الضفة الغربية، وتجاهل إسرائيل للقرارات الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة، والتي تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، ذلك أن الهند فيما يبدو في ظل سياسة الحزب المتطرف الحاكم تقود انقلاباً في سياساتها إزاء إسرائيل يتعارض مع تراث الهند في دعم حقوق الشعب الفلسطيني منذ البدايات الأولى للصراع في فلسطين، حيث صوتت الهند ضد خطة التقسيم لفلسطين عام 1947، وقدمت بدلاً منها مقترحاً لإقامة دولة فلسطينية اتحادية ومنح الحكم الذاتي للمناطق العربية واليهودية، كما كانت الهند من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، وسمحت للمنظمة بافتتاح أولى بعثاتها الدبلوماسية في العالم في الهند عام 1975، وكانت الهند من أوائل الدول غير العربية التي اعترفت بدولة فلسطين عام 1988 لدى إعلانها من الجزائر، كما رفضت الهند الاعتراف بإسرائيل لمدة طويلة، ولم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا بعد نهاية الحرب الباردة عام 1992، بعد أن تحولت الهند عن سياسة عدم الانحياز التي كانت من دعاة الأوائل مع مصر ويوغوسلافيا، واعتمدت بعد هذا التحول سياسة نيوليبرالية مؤيدة للولايات المتحدة.

 

أول دلالات هذا التطور في العلاقات الهندية الإسرائيلية تتعلق بتوقيت إعلان الشراكة الهندية الإسرائيلية على هذا المستوى؛ لأن المعطيات الراهنة تشير إلى توحش إسرائيل وتبنيها نهجاً يخالف القانون الدولي العام والإنساني على حد سواء، واعتماد سياسة الإبادة إزاء الشعب الفلسطيني وخطة الحسم أي إنهاء وشطب القضية الفلسطينية من المعادلة الإقليمية والدولية، وتطلع إسرائيل إلى تحقيق هدف "أرض إسرائيل الكاملة" أي كامل أرض فلسطين التاريخية، أو "إسرائيل الكبرى" أي ضم أجزاء من دول عربية مجاورة كلبنان وسوريا وغيرها، وتحظى هذه السياسة الإسرائيلية بدعم أمريكي غير محدود، سواء فيما يتعلق بضم الضفة الغربية أو إعادة بناء الشرق الأوسط على النحو الذي يلائم أهداف إسرائيل ويحقق هيمنتها على الإقليم.

 

يعزز تطور العلاقات بين الهند وإسرائيل مشروعية الأهداف الإسرائيلية؛ لأنه يدخل في إطار ما تسميه إسرائيل وتعتزم تنفيذه "بالمحور السداسي"، وتقصد به أن ضعف "المحور الشيعي" رافقته قوة "المحور السني" بزعامة قطر وتركيا وتعاطف المملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان العربية السنية، وترى إسرائيل أن الهند يمكنها أن تمثل أحد أضلاع هذا المحور، بل أهم أضلاعه بسبب الثقل الديموغرافي والاقتصادي والتقدم التكنولوجي والرقمي الذي يرشحها كأحد أقطاب النظام الدولي في المرحلة القادمة.

 

يضم هذا المحور السداسي دول اتفاقيات "إبراهام" الإمارات العربية والبحرين واليونان وقبرص بعد التطورات الأخيرة في شرق المتوسط، وإثيوبيا من أفريقيا والهند من آسيا، خاصة وأن ثمة خطة لممر استراتيجي من الهند إلى ميناء "حيفا" الإسرائيلي ثم إلى أوروبا مروراً بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن، ومن المحتمل أن يتضمن أيضاً اليونان وقبرص وبعض الدول الآسيوية، وذلك في مواجهة تحدي طريق الحرير الصيني أو مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، من ناحية أخرى فإن الشراكة الهندية الإسرائيلية وتطورها على النحو الذي جرى يعتبر في هذه الآونة طوق نجاة لإسرائيل أو لبنيامين نتنياهو، لأنه يساهم في كسر عزلة إسرائيل الدولية بعد ارتكابها لجريمة الإبادة وانتهاكها المستمر لحقوق الشعب الفلسطيني والقانون الإنساني، وبعد سقوطها أخلاقياً في نظر الرأي العام الدولي، خاصة من قبل الدول الأوروبية، حيث تستطيع إسرائيل ونتنياهو الزعم بأنها عوضت هذه العزلة وعوضت خسارة أوروبا بكسب دولة بحجم الهند مرشحة لمكانة قطبية في العالم، ولها ثقل بشري يقترب من المليار ونصف المليار نسمة يعادل ما يقرب من ضعف عدد سكان القارة الأوروبية، فضلاً عن التقدم العلمي والتكنولوجي والرقمي الذي تحظى به وتطور التبادل التجاري معها.

 

الخطاب الإسرائيلي إزاء الهند ارتكز على بعض المبادئ والعناوين التي تخاطب الطموح الهندي الذي يراود النخبة الحاكمة سواء قبل صعود حزب "بهاراتيا جاناتا" في أوائل التسعينيات، وازداد بعد توليه الحكم، توجه الخطاب الإسرائيلي إلى الهند زاعماً أن إسرائيل دولة آسيوية تماماً كالهند، وأنها تشارك الهند في التطلع والتعاون لمواجهة الإرهاب الإسلامي والعناصر المتشددة سواء في كشمير وباكستان أو فلسطين، وأن مقاومة الإرهاب هو الهدف الذي يجمع بين الهند وإسرائيل، ولقي هذا الخطاب أُذناً صاغية لدى جمهور "الهندوس" الذين يمثلون أغلبية في الهند ويمثلهم حزب "بهاراتيا جاناتا" والتحالف الحاكم الآن.

 

من ناحية أخرى فإن هذا الخطاب ارتكز أيضاً على تطلع الهند للتجديد والتكنولوجيا المتطورة في مجال الدفاع الجوي وأنظمة المراقبة والاستطلاع والحصول على التكنولوجيا المتقدمة الأمريكية، والتي تتوفر لإسرائيل في هذا المجال، وقدرة هذه الأخيرة على دعم الهند في مواجهة الصراع مع باكستان، وقد تم التطرق خلال الزيارة إعلامياً لمساعدة إسرائيل للهند خلال تبادل الهجمات بين البلدين في العام الماضي 2025، حيث أثبتت نظم الدفاع الجوي الإسرائيلي التي زودت بها إسرائيل الهند فاعليتها في تعقب الصواريخ الباكستانية وكذلك المُسيَّرات.

 

يضع الخطاب الإسرائيلي الهند وإسرائيل على قدم المساواة حيث أن كليهما يشتركان في اختيار الديمقراطية كنظام سياسي على النمط الغربي، صحيح أن الهند من أكبر الديمقراطيات في العالم بأسره، غير أن الديمقراطية الإسرائيلية تتميز بالإبادة والعنصرية والوحشية منذ أن وطئت أقدام الصهيونية أرض فلسطين وسقط عنها القناع الأخير منذ عام 2023.

 

هذا التطور غير المفاجئ في العلاقات الهندية الإسرائيلية لا يعود فقط إلى الجهود الدبلوماسية الإسرائيلية المتراكمة منذ عقود إزاء الهند وآسيا، التي بذلتها دوائر التخطيط الاستراتيجي الصهيونية، بل أيضاً إلى انصراف النظام العربي عن متابعة الإنجازات التاريخية في العلاقات بين الهند والعالم العربي في زمن التحرر الوطني ومشاركة مصر والهند في بناء سياسة عدم الانحياز، وعدم البحث عن أطر جديدة لتطوير التعاون المشترك بعد تغير المعطيات الإقليمية والدولية وانصراف دول النظام إلى تحقيق المصالح الوطنية على حساب التراجع حول القضية الفلسطينية.

 

وفي ذات السياق فإن هذا التطور في العلاقات الثنائية بين الهند وإسرائيل يمثل استجابة لظروف طرفي هذه العلاقة، فالهند من ناحية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مصدر التكنولوجيا المتقدمة والأمريكية منها على نحو خاص، في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية لتعزيز مواقعها الدفاعية والتنافسية مع باكستان والصين، كما أن التعاون مع إسرائيل يعتبر بوابة للعبور والحصول على رضاء الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك فضلاً عن حاجة الهند لدعم البحث والابتكار والتجديد من خلال توطين التكنولوجيا المتقدمة وإعادة إنتاجها محلياً بموافقة المؤسسات الإسرائيلية التي تعقد الصفقات معها.

 

أما من ناحية إسرائيل فهي تسعى دوماً لبناء تحالفات جديدة مع القوى العالمية الصاعدة، ولا ترغب في حصر تعاملاتها وتعاونها مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم أهميته القصوى لها، بل تنشد التنوع في علاقاتها الدولية مع القوى المؤثرة تحسباً لما يحمله المستقبل من تطورات، وتعتبر إسرائيل أن هذه الشراكة مع الهند ذات طبيعة "وجودية" لما للهند من تاريخ وحضارة وثقل بشري واقتصادي يمكنه أن يعوض فقدان إسرائيل للقارة الأوروبية، والتي أصبحت وفق التعليقات الإسرائيلية من تراث الماضي في حين أن الهند تمثل المستقبل.

 

ثمة العديد من التشابكات في المصالح بين الهند وإسرائيل من بينها وعلى رأسها المسائل الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة والتوجهات الاستراتيجية إزاء التواصل مع أوروبا وخلق ممر استراتيجي في مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، وبعد طوفان الأقصى وتقليص عدد العمال الفلسطينيين في إسرائيل، قامت هذه الأخيرة بالاستعانة بـ 50 ألف عامل هندي، ويمثل ذلك أحد أهم ركائز التعاون الهندي الإسرائيلي في المستقبل.

 

رغم المواقف التاريخية للهند إزاء القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أنه لوحظ ومنذ فترة سبقت 2023، صمت الهند إزاء الممارسات الإسرائيلية وتبني سياسة النأي بالنفس عن الممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، ورغم اعتراف الهند بدولة فلسطين إلا أنها غابت عن تبني الوسائل والفاعليات الدولية لدعم فلسطين، وحتى جريمة الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في غزة امتنعت الهند عن التصويت على القرارات التي تنتقدها أو تطالب بوقف إطلاق النار، باختصار الصمت والانسحاب هو ما يميز الدبلوماسية والسياسة الهندية إزاء فلسطين وإزاء العنصرية الإسرائيلية.

 

على الصعيد الهندي حظيت زيارة "مودي" الأخيرة برفض شديد من أحزاب المعارضة الهندية وجماعات المجتمع المدني واللجنة الدائمة للشؤون الخارجية في البرلمان الهندي، وشهدت عدة مدن هندية احتجاجات ضد هذه الزيارة، وأصدرت مؤسسة "دار العلوم الإسلامية" وهي تمثل القلعة العلمية والمرجعية الكبرى للمسلمين في الهند والذين يقدر عددهم بـ 250 مليون مسلم بياناً موجهاً لرئيسة الجمهورية الهندية يدين هذه الزيارة التي تتجاهل مشاعرهم، في جميع الأحوال وبصرف النظر عن قدرة وتأثير المعارضة الهندية على هذه التطورات، فإن العالم العربي والدول المؤثرة في جدول أعماله مطالبة أكثر من أي وقت مضى بمراجعة سياساتها سواء إزاء الهند أو غيرها من الدول في آسيا وأفريقيا، لخلق وابتكار فضاء جديد لدعم العلاقات مع هذه الدول وتوثيق الترابط على قاعدة تبادل المصالح والمنافع وتعظيم العائد لجميع الأطراف، وهي القاعدة المتبعة منذ فترة طويلة بعد تراجع أهمية الأطر التقليدية والتاريخية.

د. عبد العليم محمد مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء