رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شهدت المنطقة خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية تطورًا بالغ الخطورة، إذ انتقلت حالة التوتر والمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عمانية من مسار التعثر والشد والجذب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة لم تشهد المنطقة مثيلاً لها في تاريخها المعاصر. وجاء اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في ضربة إسرائيلية–أمريكية مشتركة ليشكل لحظة فاصلة، لا في مسار الحرب فحسب، بل في طبيعة النظام الإقليمي بأسره.

لم يكن خامنئي مجرد رأس للدولة، بل كان المرجعية الدينية العليا للبلاد وصاحب الكلمة الفصل في قضايا الحرب والسلم، والضابط النهائي لإيقاع العلاقة مع الخارج، لاسيما الغرب. ومن ثم فإن خروجه المفاجئ من المشهد يطرح سؤالًا مركزيًا: هل يفتح ذلك نافذة لتسوية سياسية، أم يدفع نحو مزيد من التصعيد وعدم اليقين؟

من الناحية النظرية، قد يؤدي غياب شخصية كانت تُعرف بريبتها العميق تجاه الولايات المتحدة إلى إتاحة مساحة أوسع للحركة داخل مؤسسات النظام الإيراني، خاصة في ظل وجود تيارات أكثر اعتدالًا وميولًا للبراغماتية. وقد عكست تصريحات وزير الخارجية الإيراني حول الاستعداد للحوار، رغم اتساع رقعة المواجهة، إدراكًا لدى بعض دوائر صنع القرار في طهران أن استمرار الحرب يحمل كلفة استراتيجية باهظة قد تبلغ في منتهاها القضاء على النظام ذاته وتدمير البلاد.

في المقابل، حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على توجيه إشارات تفيد بأن باب التفاوض لم يُغلق، مما يعني أن واشنطن قد تكون لا تزال منفتحة على إمكانية صياغة تفاهم جديد يعالج الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي والترسانة الصاروخية الإيرانية. هذا التوازي بين الضربات العسكرية وإشارات الانفتاح السياسي يوحي بأن الإدارة الأمريكية قد تنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب العلاقة مع إيران من موقع قوة.

غير أن هذا المسار ليس حتميًا. فالنظام الإيراني لا يقوم على شخص واحد مهما بلغ تأثيره، بل على شبكة معقدة من المؤسسات، يتقدمها الحرس الثوري، الذي قد يرى في التصعيد وسيلة لإعادة تثبيت تماسك الجبهة الداخلية ومنع إعطاء أي انطباع بالضعف. كما أن آليات اختيار مرشد جديد داخل النظام قد تفضي إلى تصعيد قيادة أكثر تشددًا بدلًا من قيادة أكثر مرونة، خاصة في ظل أجواء المواجهة.

إلى جانب ذلك، يظل العامل الإسرائيلي متغيرًا رئيسيًا في حسابات المرحلة المقبلة. فإسرائيل، التي تنظر إلى إضعاف وربما تفكيك الدولة الإيرانية كهدف استراتيجي طويل الأمد، قد تتحفظ على أي تسوية تُبقي على بنية النظام مقابل تعديلات في سلوكه وسياساته. ومن ثم، فإن أي بوادر لخفض التصعيد أو لتفاهمات أمريكية–إيرانية محتملة قد تواجه ضغوطًا شديدة من جانب تل أبيب لإفشالها أو رفع سقف شروطها.

المشهد الراهن إذن يتسم بسيولة استراتيجية واضحة. فإمكانية الانتقال من المواجهة إلى التفاوض قائمة، لكنها مشروطة بعوامل داخلية في طهران، وبمدى استعداد واشنطن لتقديم صيغة توازن بين الردع والتفاهم، وبحسابات إسرائيل الأمنية. وفي ظل استمرار العمليات العسكرية واتساع رقعتها إقليميًا، تبقى فرص استمرار التصعيد قائمة بقدر ما تبقى فرص التوصل لتسوية.

المنطقة تدخل مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد. وما إذا كانت هذه اللحظة ستُستثمر لإغلاق أحد أخطر ملفات الشرق الأوسط، أم ستتحول إلى شرارة لحرب أوسع وأكثر تدميرًا، سيعتمد على المفاضلة بين خيرات صعبة وقرارات مصيرية يجب أن تُتخذ في كل من واشنطن وطهران خلال الأيام والأسابيع المقبلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء