رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تشهد إيران لحظة فارقة في تاريخها السياسي بعد الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، في أعقاب عملية عسكرية واسعة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل استهدفت مواقع استراتيجية وأمنية في طهران، من بينها مقرات سيادية حساسة. هذا التطور لا يمثل مجرد ضربة عسكرية، بل نقطة تحول بنيوية في معادلة النظام الإيراني الذي تأسس منذ 1979 على مركزية موقع "المرشد الأعلى" باعتباره المرجعية النهائية في القرار السياسي والعسكري والأمني. 

الرد الإيراني السريع عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه أهداف إسرائيلية وفي محيط الخليج يؤكد أن طهران تعاملت مع الحدث باعتباره إعلان مواجهة مفتوحة، فيما انعكس التصعيد فورًا على أسواق الطاقة العالمية وسط مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط العالمية.

لم يظهر النظام الإيراني حتى الآن بوصفه منهارًا بقدر ما بدا في طور إعادة ترتيب سريع، فالدستور الإيراني ينص على آلية واضحة لاختيار مرشد جديد عبر مجلس خبراء القيادة، ما أتاح تشكيل مجلس قيادة مؤقت لإدارة المرحلة الانتقالية. غير أن المسألة لا تتعلق فقط بالإجراءات الدستورية، بل بتوازنات القوة الفعلية داخل الدولة، خصوصًا دور الحرس الثوري الإيراني الذي يمثل الفاعل الأكثر تنظيمًا وتسليحًا ونفوذًا اقتصاديًا. 

المرحلة الحالية توصف بأنها انتقالية لكنها شديدة الحساسية؛ فالنظام يسعى لإظهار التماسك، بينما يعمل أمنيًا على منع أي احتجاجات أو انفلات داخلي خلال فترة حداد رسمي تمنحه هامشًا لإعادة ضبط المشهد السياسي قبل إعلان القيادة الجديدة.

ومع ذلك تبدو احتمالات اتساع رقعة الحرب قائمة. إيران تمتلك بنية صاروخية متطورة وشبكة حلفاء إقليميين في العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما يجعل أي تصعيد قابلًا للتحول إلى مواجهة إقليمية متعددة الساحات. وفي المقابل، قد تلجأ طهران إلى تشديد القبضة الأمنية داخليًا لتفادي استغلال لحظة الانتقال من قبل معارضين أو قوى إصلاحية. المعادلة هنا تقوم على تحقيق توازن بين الردع الخارجي ومنع التآكل الداخلي، وهي معادلة دقيقة في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الممتدة.

السيناريوهات المستقبلية تتراوح بين استمرار النظام بذات البنية مع تعزيز دور المؤسسة الأمنية، أو صعود قيادة أكثر تشددًا ترى في التصعيد وسيلة لإعادة تثبيت الشرعية الثورية، أو دخول البلاد في صراع أجنحة يطيل أمد الفراغ السياسي، أو ـ وهو الاحتمال الأضعف والأطول زمنًا ـ انفتاح تدريجي على مسار تغيير سياسي مدفوع بضغوط داخلية وخارجية. المؤكد أن مقتل خامنئي لا يعني سقوط النظام تلقائيًا، بل يعيد توزيع مراكز الثقل داخله.

في المقابل جاء موقف روسيا والصين ليعكس براجماتية واضحة. موسكو أدانت الضربات واعتبرتها انتهاكًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، لكنها تجنبت أي التزام عسكري مباشر. السبب لا يعود فقط إلى حسابات التوازن مع واشنطن، بل أيضًا إلى انخراطها العميق في الحرب مع أوكرانيا، حيث يشكل ذلك المسرح أولوية استراتيجية قصوى. فتح جبهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد يضع روسيا أمام استنزاف متعدد الجبهات، وهو سيناريو تحاول تفاديه. في الوقت ذاته، قد ترى موسكو في انشغال الغرب بإيران فرصة لتخفيف الضغط العسكري والسياسي عنها في أوكرانيا، فضلًا عن استفادتها من ارتفاع أسعار النفط الذي يعزز إيراداتها في ظل العقوبات.

الصين من جهتها تبنت خطابًا يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى التفاوض، منسجمًا مع عقيدتها التقليدية القائمة على عدم التدخل العسكري المباشر. بكين ترتبط بعلاقات طاقة وتجارية واسعة مع الخليج وإيران والولايات المتحدة معًا، وأي حرب ممتدة تهدد سلاسل الإمداد العالمية التي تشكل عصب اقتصادها. لذلك تميل إلى لعب دور دبلوماسي يحافظ على الاستقرار بدل الانخراط في صراع مفتوح. هي تدرك أن الدخول في مواجهة غير مباشرة مع واشنطن دفاعًا عن طهران قد يجرها إلى صدام استراتيجي واسع لا يخدم أولوياتها الاقتصادية.

 

قد تواجه كل من الصين وروسيا خسائر مباشرة وغير مباشرة نتيجة الحرب على إيران، رغم أنهما لم تتدخلا عسكريًا بشكل مباشر. وبالنسبة للصين، تشير التقديرات إلى أن أي توقف جزئي للتجارة البحرية عبر مضيق هرمز يمكن أن يؤدي إلى خسائر تصل إلى 12–15 مليار دولار شهريًا في قطاع الطاقة والتجارة، بسبب اعتماد الصين على استيراد نحو 20٪ من نفطها الخام عبر هذا الممر الحيوي، إضافة إلى تأثير اضطراب الأسواق على شركاتها الصناعية والصادرات. أما روسيا، فبالرغم من استفادتها الجزئية من ارتفاع أسعار النفط الذي قد يعزز إيراداتها النفطية، فإن الخسائر الاقتصادية المحتملة تتجسد في تقلبات أسعار الغاز الطبيعي والأسواق المالية، حيث قد يؤدي التصعيد إلى ركود عالمي يقلل الطلب على الطاقة، ما قد يكلف موسكو مليارات الدولارات في الإيرادات السنوية للطاقة، إلى جانب المخاطر الدبلوماسية والسياسية المتمثلة في تعقيد علاقاتها مع الصين والولايات المتحدة في الوقت ذاته، مما قد يحد من قدرتها على التركيز على الحرب في أوكرانيا وتحقيق أهدافها الاستراتيجية هناك.

وأقصد بذلك أن روسيا تواجه معضلة مزدوجة، وأي خطوة تجاه إيران قد تزعج الولايات المتحدة وتزيد الضغط عليها، وفي الوقت نفسه قد تؤثر على التنسيق مع الصين، مما يجعل حساباتها الاستراتيجية أكثر تعقيدًا وتحتاج إلى موازنة دقيقة بين مصالحها في أوكرانيا، وعلاقتها مع بكين، وضغوط الغرب.

 

ومع ذلك، في تقديري، يبقى السؤال حول ما إذا كانت روسيا تستفيد من انشغال العالم بالحرب على إيران يحمل إجابة مركبة. نعم، قد تحقق مكاسب ظرفية عبر تشتيت الانتباه الغربي وارتفاع أسعار الطاقة، لكن هذه المكاسب مشروطة ببقاء الحرب محدودة. انهيار إيران أو إعادة تشكيل المنطقة أمنيًا لصالح الولايات المتحدة قد يضر بالمصالح الروسية بعيدة المدى. بعبارة أخرى، أقصد أن موسكو قد تستفيد من فوضى مضبوطة تستنزف الغرب، لكنها لا تستفيد من انفجار شامل يعيد رسم الخريطة الإقليمية خارج حساباتها.

المشهد الحالي إذن ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار شامل لتوازنات النظام الإيراني، ولصلابة التحالفات الدولية، ولمعادلات الطاقة العالمية، ولمستقبل الحرب في أوكرانيا. المنطقة تدخل مرحلة سيولة استراتيجية غير مسبوقة منذ عقود، حيث تتداخل الجبهات من الخليج إلى أوروبا الشرقية، وتتقاطع حسابات الردع مع حسابات الاقتصاد العالمي. وفي قلب هذه المعادلة تبقى إيران أمام مفترق طرق تاريخي: إما إعادة إنتاج النظام بقوة أمنية أكبر، أو الدخول في مسار تحول طويل يعيد تعريف موقعها في الإقليم والنظام الدولي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء