رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لاريجاني.. هل يصبح «المرشد المدني» منقذ الجمهورية من السقوط؟|تقرير

علي لاريجاني
علي لاريجاني

مع مطلع عام 2025، كانت إيران تدخل واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ قيام الجمهورية الإسلامية. تصاعدت التهديدات الأمريكية، واشتدت المواجهة غير المباشرة مع إسرائيل، وبدا أن البلاد تقف على حافة اختبار وجودي حقيقي. 

في تلك الأجواء المشحونة، أعاد المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي ترتيب أوراقه الداخلية، مستدعيا إلى الواجهة اسما كان قد تراجع حضوره في السنوات الأخيرة: علي لاريجاني، الذي استبعد من سباق الرئاسة عام 2021، وبدا حينها أنه خرج من قلب المشهد.

تعيين لاريجاني أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي

 

لكن السياسة في طهران لا تعرف الإقصاء النهائي. ففي أغسطس 2025، ومع تلبد الأفق بإمكانية اندلاع حرب شاملة، صدر قرار إعادة تعيين لاريجاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي. 

لم يكن ذلك مجرد تعيين إداري أو مكافأة سياسية متأخرة، بل خطوة محسوبة ضمن ترتيبات دقيقة وضعها خامنئي لضمان استمرارية الحكم في أقسى السيناريوهات: اغتيال محتمل، ضربة قاصمة، أو حرب واسعة قد تربك هرم السلطة.

علي لاريجاني والمرشد الراحل
علي لاريجاني والمرشد الراحل

صلاحيات تتجاوز النص الدستوري

بحسب ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" استنادًا إلى تقارير استخبارية، فإن الدور الذي أنيط بلاريجاني تخطّى بكثير حدود منصبه الرسمي. فقد أسندت إليه عمليا إدارة الملفات السيادية الكبرى: الإشراف على الاستراتيجية العسكرية، ضبط الإيقاع الدبلوماسي، والتحكم بمسار القرارات الحساسة، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في دور الرئيس مسعود بزشكيان في القضايا المصيرية.

لم يكن الهدف مجرد تعزيز موقع شخصية سياسية مخضرمة، بل وضع خطة لمواجهة احتمال "قطع الرأس"، أي استهداف القيادة العليا لإحداث فراغ في قمة النظام. هنا برز دور لاريجاني في إعداد تصور متكامل لاستمرار التسلسل القيادي ومنع انهيار البنية السياسية والأمنية.

دخان يتصاعد عقب انفجار، بعد أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران
دخان يتصاعد عقب انفجار، بعد أن شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على إيران

ملف المفاوضات النووية في جنيف

في الإطار ذاته، تولى مهمة تثبيت شبكة الدعم الخارجي. فزار موسكو وبكين سعيا لتأمين غطاء عسكري واقتصادي، والتقى في يناير 2026 بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في مسعى واضح لتحصين إيران إقليمي ودولي. كما أمسك بملف المفاوضات النووية في جنيف، ونسق عن كثب مع وزير الخارجية عباس عراقجي لإعادة الإمساك بخيوط التفاوض.

وبحسب صحيفتا "نيويورك تايمز" و"لو فيجارو" ذهبتا أبعد من ذلك، ووصفتاه بـ"الحاكم الفعلي" لإيران. تجلى هذا الوصف في اضطرار بزشكيان لطلب موافقته قبل التواصل مع مبعوثين أمريكيين أو اتخاذ قرارات داخلية شديدة الحساسية.

المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي
المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي

إحباط تمرد سياسي قبل العاصفة

 

ومن أبرز المحطات التي عززت ثقة خامنئي به، نجاحه في إحباط تحرك قاده في يناير 2026 الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته السابق محمد جواد ظريف، سعيا إلى تقليص نفوذ المرشد بحجة تجنيب البلاد كارثة الحرب. تمكن لاريجاني من كشف التحرك مبكرا، وفرض الإقامة الجبرية على الرجلين، موجها رسالة حاسمة بأن زمن المناورات الداخلية قد انتهى، وأن بقاء النظام يتقدم على أي اعتبارات أخرى.

موقع غارة إسرائيلية أمريكية على إيران
موقع غارة إسرائيلية أمريكية على إيران

بعد مقتل خامنئي.. لحظة الحقيقة

في الأول من مارس 2026، أعلنت طهران مقتل علي خامنئي في هجوم جوي مكثف. كان الحدث زلزال سياسي بكل المقاييس. وفي اللحظة التي كان يتوقع فيها ارتباك المشهد، خرج لاريجاني إلى العلن متحدثا باسم النظام، وممسك عمليا بزمام الجهاز الأمني.

طبقا للدستور، تشكل "مجلس قيادة مؤقت" لإدارة شؤون البلاد إلى حين انتخاب مرشد جديد من قبل مجلس الخبراء. ضم المجلس الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، والفقيه علي رضا أعرافي. ورغم أن لاريجاني ليس عضو رسمي فيه، فإن كثيرين يرون أنه العقل المدبر خلف قراراته.

المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي يسير مع القادة الإيرانيين
المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي يسير مع القادة الإيرانيين

معركة الخلافة.. بين التوريث والبراغماتية

في سباق الخلافة، يبرز اسم مجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد الراحل، الذي يتمتع بنفوذ واسع داخل الحرس الثوري وإمكانات مالية ضخمة. غير أن فكرة "توريث" المنصب تصطدم بحساسيات داخل الحوزة العلمية في قم وداخل الشارع الإيراني.

هنا يطرح البعض سيناريو مختلفا: لاريجاني كـ"مرشد مدني" محتمل، مستندين إلى سابقة عام 1989 حين تولى خامنئي المنصب قبل بلوغه مرتبة المرجعية العليا. لكن افتقار لاريجاني إلى خلفية فقهية عميقة يجعله أقرب إلى نموذج "الرئيس القوي" أو "صانع الملوك"، الرجل الذي يدير الدولة من خلف ستار مرشد ديني تقليدي، ربما من شخصيات مثل أعرافي، فيما يتولى هو الإدارة الفعلية للملفات الاستراتيجية.

المنقذ وثعلب طهران 

اليوم، يقف لاريجاني أمام اختبار تاريخي، فهو يدير دولة مثقلة بالعقوبات، ومهددة عسكري، ومجروحة داخليا بفعل الاحتجاجات والانقسامات. يسعى إلى توظيف علاقاته مع موسكو وبكين، وتفعيل قنوات الوساطة في مسقط والدوحة، بحثا عن صيغة توقف التصعيد وتحفظ للنظام ماء الوجه.

في الداخل، يبدو أقرب إلى "مايسترو" ينسق التوازن الدقيق بين الحرس الثوري والحوزة العلمية، وقد يدفع نحو اختيار مرشد رمزي يتيح إدارة تكنوقراطية أكثر مرونة، مع محاولة امتصاص الغضب الشعبي وتجنب انفجار داخلي.

هكذا يجد علي لاريجاني نفسه أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يسجل في التاريخ بوصفه الرجل الذي أنقذ الجمهورية الإسلامية من التفكك في أحلك لحظاتها، أو أن يقارن بقادة قادوا أنظمتهم إلى تحولات جذرية لم يكن أحد يتوقع مآلاتها. 

وبين هذين الاحتمالين، يراقب العالم كيف سيوظف "ثعلب طهران" خبرته ودهاءه لترميم جدار تصدع تحت وطأة الضربات الخارجية والاختناقات الداخلية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء