تحول الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، إلى مستوى جديد من التعقيد الاستراتيجي، حيث لم يعد الأمر يتعلق بضبط التوازنات الإقليمية فحسب، بل أصبح اختبارًا مباشرًا لبقاء النظام السياسي الإيراني نفسه، وقدرته على الصمود أمام ضربة مركبة تستهدف المربع السيادي والعسكري في آن واحد. فالمعركة الحالية تعكس انتقال الصراع من منطق الحرب المحدودة إلى منطق الصراع الوجودي الذي تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع الحرب الاقتصادية والنفسية، وهو ما يجعل قراءة المشهد تتطلب النظر إلى عدة مستويات متشابكة، وليست متوازية فقط.
الضربة الإسرائيلية–الأمريكية المشتركة التي استهدفت مراكز قيادية وسيادية داخل طهران، بما في ذلك محيط المؤسسات السياسية والعسكرية، مثل مطار مهرآباد وبعض المنشآت المرتبطة بالبنية السيادية للدولة، تمثل تحولًا نوعيًا في العقيدة العسكرية الغربية تجاه إيران. فبدلًا من الاكتفاء بضرب القدرات النووية أو الصاروخية بشكل تقليدي، اتجهت الاستراتيجية إلى محاولة إرباك منظومة اتخاذ القرار عبر استهداف ما يسمى بالمربع الأمني للدولة، وهو ما يشمل القيادة السياسية، والاستخبارات، والمؤسسات العسكرية العليا. هذا النمط من العمليات يرتبط بمفهوم «الصدمة الاستراتيجية» التي تهدف إلى شل القدرة على الرد السريع، وليس فقط إضعاف القدرات القتالية.
في المقابل، كشف رد الفعل الإيراني عن درجة عالية من الجهوزية العملياتية، حيث لم تتأخر طهران في إعلان الرد العسكري كما حدث في بعض مراحل حرب الـ12 يومًا السابقة، بل أطلقت موجات صاروخية متعددة مستهدفة قواعد أمريكية في الخليج ومناطق داخل إسرائيل مثل بئر السبع، والنقب، وحيفا. هذا الرد يعكس عقيدة الردع الإيرانية القائمة على مبدأ رفع كلفة الحرب على الخصم، وليس تحقيق نصر عسكري تقليدي. فإيران تدرك أن التفوق الجوي والتكنولوجي الأمريكي والإسرائيلي يجعل المواجهة المباشرة غير متكافئة، لذلك تعتمد على مزيج من الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، والطائرات المسيرة، والحرب السيبرانية، إضافة إلى أدوات الردع البحري.
وتشير المعطيات العملياتية إلى أن إيران استخدمت في اليوم الأول نحو 200 صاروخ، بينما ارتفع العدد إلى حوالي 500 صاروخ في مراحل لاحقة، وهو ما يعكس استراتيجية «إغراق الدفاعات» بهدف إرهاق منظومات الاعتراض متعددة الطبقات مثل منظومة القبة الحديدية، ومنظومة David’s Sling، ومنظومات الدفاع الأمريكية مثل باتريوت وTHAAD المنتشرة في المنطقة. هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى اختراق دفاعات العدو فقط، بل إلى اختبار حدود قدراته العملياتية، وإظهار أن أي حرب ستكون مكلفة زمنيًا وماليًا وعسكريًا.
اللافت أن الضربات لم تقتصر على المجال العسكري، بل توسعت لتشمل البعد السياسي والسيادي داخل إيران، حيث استهدفت بعض العمليات مباني حكومية ومؤسسات سيادية في الجنوب والوسط، بما في ذلك محيط وزارة الخارجية والمجمع الرئاسي. هذا التوسع يحمل دلالة واضحة على محاولة إضعاف الشرعية السياسية للنظام، وليس فقط تقليص قدراته العسكرية. فاستهداف المؤسسات السياسية يهدف إلى خلق حالة من عدم اليقين داخل النخبة الحاكمة، خاصة في ظل مرحلة انتقال القيادة بعد مقتل المرشد الأعلى، حيث تتولى قيادة ثلاثية مؤقتة إدارة الدولة، تضم الرئيس الحالي، ورئيس السلطة القضائية، وممثلًا عن مجلس صيانة الدستور، في محاولة لمنع انهيار مؤسسات الدولة.
إلا أن مركز الثقل الحقيقي داخل النظام الإيراني لا يزال يتمثل في الحرس الثوري، الذي يتحكم في القرار الأمني والعسكري والاقتصادي بدرجة كبيرة. وقد أشارت تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن انتقال السلطة إلى شخصيات عسكرية متشددة قد يكون السيناريو الأكثر احتمالًا، وهو ما قد يدفع إيران نحو مزيد من العسكرة في القرار السياسي والنووي. وفي هذا السياق، يصبح احتمال التفاوض أكثر تعقيدًا، لأن المؤسسة العسكرية تميل عادة إلى تبني سياسات ردع صلبة، مقارنة بالمؤسسات المدنية التي قد تميل إلى التسويات الدبلوماسية.
من زاوية جيوسياسية أوسع، تحاول إيران تحويل الصراع إلى صراع اقتصادي عالمي عبر التهديد غير المباشر للممرات البحرية الحيوية، خاصة مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية يوميًا. لكن إغلاق المضيق بالكامل يمثل مخاطرة وجودية للنظام الإيراني نفسه، لأن الاقتصاد الإيراني يعتمد على هذا الممر في تصدير جزء كبير من نفطه، كما أن الصين، التي تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، ستضغط بشدة لعدم تعطيل حركة التجارة البحرية. لذلك تعتمد طهران على استراتيجية «حافة الهاوية»، أي التهديد بالإغلاق دون تنفيذه فعليًا، لتحقيق مكاسب سياسية في المفاوضات.
أما على المستوى الأمريكي، فإن استراتيجية إدارة الصراع تبدو مقيدة بعوامل سياسية داخلية. فالرئيس ترامب يسعى إلى تنفيذ ضربة محسوبة تحقق أهدافًا سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى حرب طويلة قد تتطلب موافقة الكونجرس، وهو ما قد يحد من حرية الحركة العسكرية الأمريكية. لذلك يتم التركيز على ضربات محدودة تستهدف البنية التحتية العسكرية والنووية، مع إبقاء خيار التصعيد مفتوحًا كوسيلة ضغط تفاوضي.
في الوقت نفسه، تحاول الولايات المتحدة توظيف الحرب النفسية عبر توجيه رسائل للشعب الإيراني مباشرة، حيث شجع ترامب الإيرانيين على السيطرة على نظامهم السياسي بعد انتهاء العمليات العسكرية، في محاولة لتفكيك الجبهة الداخلية وإضعاف شرعية القيادة السياسية. هذا النمط يشبه إلى حد ما استراتيجيات تغيير الأنظمة عبر الضغط الداخلي وليس الغزو العسكري المباشر، وهو ما يمكن مقارنته جزئيًا بالسيناريو الفنزويلي في بعض الأدبيات الاستراتيجية، رغم الاختلافات البنيوية بين الدولتين والسياق السياسي.
على المستوى الإقليمي، يمثل الخليج العربي الساحة الأكثر خطورة في المرحلة القادمة، حيث تسعى الدول الخليجية إلى حشد دعم دولي لمنع استخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية في توجيه ضربات إضافية ضد إيران، خوفًا من تحول أراضيها إلى مسرح حرب مباشرة. كما أن ارتفاع أسعار النفط يمثل خطرًا عالميًا، لأن أي تعطيل طويل لإمدادات الطاقة قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية دولية، وهو ما يمنح إيران ورقة ضغط استراتيجية مهمة رغم ضعف ميزان القوى العسكري.
في النهاية، يبدو أن الصراع الحالي لا يحمل سقفًا زمنيًا واضحًا، لأن كل طرف يسعى إلى تحقيق أهداف مختلفة. الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تقليص النفوذ الإيراني وفرض قيود صارمة على البرنامج النووي والصاروخي، فيما ترغب إسرائيل في تغيير وإسقاط النظام كهدف استراتيجي، بينما تسعى إيران إلى الصمود الاستراتيجي وإطالة أمد الصراع حتى تتحول الكلفة السياسية والعسكرية إلى عامل ضغط على واشنطن. لذلك فإن المنطقة تدخل مرحلة صراع مفتوح على الاحتمالات، حيث لم يعد السؤال هو من ينتصر عسكريًا، بل من ينجح في إدارة الزمن الاستراتيجي للصراع بأقل خسائر ممكنة.