رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكايات ساعة قبل الفطار.. عندما أذّن تامر

حكاية ساعة قبل الفطار
حكاية ساعة قبل الفطار

في كل رمضان، تختلط ذكريات الطفولة بأصوات المؤذن، فتشكل لحظات لا تنسى، محفورة في القلب والعقل، تجعل للصيام طعمًا خاصًا. بين اللعب والانتظار والفضول، وبين التقاليد العائلية وفضول الصغار، تنشأ مواقف مضحكة ودافئة تحكي حكايات تامر يؤذن، وهي قصة من المجموعة القصصية "حكاية ساعة قبل الفطار" للكاتب ابراهيم عبدالمجيد.

تامر يؤذن

دعاني أحد الأصدقاء الشباب للإفطار أنا وزوجتي عنده. ذهبنا قبل الموعد بساعة.. سر صداقتنا هو صداقة زوجتينا، بل كانت زوجته تلميذة لزوجتي في المرحلة الإعدادية، وهي الآن مدرسة في المدرسة التي تعمل زوجتي مديرة لها.. جلست أنا وهو في الصالة نتحدث والتليفزيون مفتوح أمامنا، لا نهتم به، تركناه لإبنه وإبنته التوأم يتفرجان ويقلبان في القنوات. ولداي لم يكونا معنا، فهما متزوجان، وإبنه وإبنته في العاشرة.

سألني وهو يشير إليهما:

ـ  إيه رأي حضرتك في الولاد يصوموا؟ باحاول أعودهم على الصيام، وصاموا التلات أيام اللي فاتوا.

قلت:

ـ مش عارف… لكن أنا أشعر إن الصيام غير مناسب لسنهما.

نظر إلي في دهشة وقال:

ـ  معقول؟ لا، المفروض يتعودوا على الصيام. العاشرة سن مناسب جدًا، خصوصًا إننا في الشتاء والفطار ييجي بسرعة.

قلت:

ـ مش عارف… أنا أصلي، تربيت في بيت بسيط. أبويا الله يرحمه كان متدين جدًا، لكن في مسألة الصيام ما كانش يضغط علينا في سن مبكر.. فاكر إني صمت أول مرة في سن اتناشر سنة تقريبًا.

وحتى في السن ده، أبويا كان دايمًا يقول لي: «إذا جعت أوي… كل الدين يسر، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها».

عرفت أنني سأحكي له حكاية لطيفة مضى عليها نصف قرن تقريبًا.

كان رمضان في الصيف، وكنت أصوم لأول مرة. وزارتنا جدتي من الأرياف، محملة بالبط والأوز والفطير المشلتت، لم تطبخ أمي شيئًا ذلك اليوم، فقط أعدت عصير قمر الدين. كان من عادة أبي أن يطلب من أمي وضع الأكل على الطبلية قبل المدفع بعشر دقائق أو ربع ساعة تقريبًا. كان يعتبر انتظارنا للمدفع والأكل أمامنا نوعًا من الثواب، نأخذه لأن في الانتظار شيئًا من العذاب.

في ذلك اليوم، الذي كان الأكل فيه جاهزًا، وضعته أمي على الطبلية قبل نصف ساعة تقريبًا. كان أبي سعيدًا جدًا، جالسًا أمام الطبلية يقرأ القرآن في صمت من مصحف قديم وينتظر المدفع. أمي جلست في الحجرة الداخلية وراحت مع جدتي في حديث طويل. أختاي الأكبر مني جلستا أمام الطبلية في أدب، كنت ألاحظ أحيانًا أنهما تنظران إلى بعضهما في شيء من الحسرة.

كنت أريد أن أثبت لنفسي قدرتي على الصيام، لكن منظر البطة والأرز المعمر والفطير المشلتت وعسل النحل كان شيئًا لا يمكن مقاومته

انسحيت بهدوء خارجًا من باب البيت. كنا نسكن في مساكن السكة الحديد، وكل بيوتها دور واحد، وكان هناك جامع صغير يؤذن فيه المؤذن بلا ميكروفون، لم نكن نعرف الميكروفونات إلا في الأفراح.

وقفت تحت النافذة وأذنت المغرب. رفعت صوتي قدر ما أستطيع. انتهيت من الأذان بسرعة ودخلت البيت فوجدت الجميع يشربون العصير ويبدأون في الأكل. جلست وأكلت معهم في صمت. لاحظت أن أبي ينظر إلي أكثر من مرة. ارتبكت وخفت، لابد أنه عرف صوتي.

في منتصف الأكل أذن المؤذن في الجامع، لم يكن لدينا راديو، ولم يكن أحد يمتلك راديو في المساكن، وطبعا لم يظهر التلفزيون بعد. توقفت أمي عن الأكل وقالت:

ـ  استغفر الله العظيم… مين ابن الحرام اللي أدن وخلانا نفطر قبل الميعاد؟

نظر إلي أبي وقال:

ـ  خلاص، إحنا ما غلطناش وحسابنا عليه عند ربنا.
كملوا الأكل في صمت، وبعد ذلك أخذني أبي إلى الغرفة وقال لي هامسًا:

ـ  ما تعملش كده تاني يا مصطفي.

ارتبكت وخفت وقلت:

ـ هو أنا عملت إيه؟

قال لي: أنت اللي أذنت. أنا عارف صوتك، ما أخدتش بالي عشان كنت مشغول بالقرآن، لكن لما أذن المؤذن الحقيقي انتبهت… افتكرت إني سمعت صوت زي صوتك. أمك برضه عارفة صوتك، بس كانت مشغولة بالكلام مع جدتك، وكويس إنها ما خدتش بالها.. خواتك البنات عارفين صوتك، بس ما اتكلموش عشان أكيد كانوا جعانين… ودول حسابهم معايا. كده يا بني ذنب كبير تتحمله في السن ده… جعت؟

ضحك صديقي الشاب، وضحكت معه، وارتفع صوتنا جدًا. قال:

ـ  وما ضربكش مثلا؟
قلت:

ـ لا، والد حضرتك كان متسامح جدًا.
قلت:

ـ  كان يختم القرآن في رمضان في المنزل، وأنا حفظت تقريبًا نصف القرآن من استماعي له. كان زمن… وكانت ناس.

بعد لحظات ارتفع الآذان في غرفة داخلية في شقة صديقي. نظرنا إلى بعضنا في دهشة وانطلقنا نضحك. نادي بصوت عالي:

ـ يا تامر، تعالي هنا!

وجاء تامر ابنه من الغرفة مرتعشًا. قلت:
ـ  أرجوك ما تزعلوش.
حاول صديقي الشاب إخفاء ابتسامته وقال:
ـ  جعان؟

قال تامر: لا.

قلت له:

ـ انت جعان… أمال بتدن ليه؟ ادخل المطبخ عند ماما كل أي حاجة اتصبر بيها.

أسرع تامر إلى المطبخ وانطلقنا نضحك من جديد. لقد سمعني وأنا أحكي الحكاية، وطبعا لم يكن ممكن أن يخرج ليؤذن في الشارع، فالعمارة عالية، وشقتهم في الدور السابع، والمساجد كلها تؤذن بالميكروفونات، والتلفزيون أمامنا مفتوح على التمثيليات ولم يبدأ فيه القرآن الذي يسبق الأذان بعد. وأكيد لم ينتبه تامر من فرط الجوع أننا سنكتشفه بسهولة. قامت خلف تامر أخته أيضًا، وأنا لا أتوقف عن الضحك.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء