رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

موسكو وبكين.. بين مواجهة الجماح الأمريكي وتحصين طهران عسكريًا

الحرب على طهران
الحرب على طهران

وضعت موسكو وبكين ثقلهما العسكري والدبلوماسي خلف طهران في أعقاب الضربات الجوية الأخيرة، حيث أعلنت وزارة الخارجية الروسية عن تفعيل قنوات التنسيق الأمني لضمان فاعلية منظومات الدفاع الجوي الموردة، ومنع انزلاق المنطقة نحو صراع نووي، إذ دعت روسيا المجتمع الدولي، بما في ذلك قيادة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى تقديم تقييم موضوعي وحاسم لهذه التطورات، مؤكدة ضرورة العودة الفورية إلى المسار السياسي والدبلوماسي لمعالجة الأزمة.

وفي الوقت ذاته، شنت بكين هجومًا دبلوماسيًا حادًا في مجلس الأمن، واصفةً الاستهداف بالخرق الخطير للسيادة الدولية، مع تلميحات بتقديم دعم لوجستي وتقني لتعزيز قدرة إيران على الصمود أمام الموجات الهجومية، لا سيما أن بكين تشتري حوالي 80% من النفط الإيراني.

وتعكس هذه التحركات استراتيجية الدعم المدروس التي تنتهجها العاصمتان، حيث تدمجان بين الأدوات العسكرية الخشنة عبر تسريع صفقات السلاح النوعي، والأدوات الدبلوماسية الناعمة لعرقلة المساعي الأمريكية لإضفاء شرعية على العملية.

الحرب على طهران 
الحرب على طهران 

وبينما تسعى روسيا إلى تثبيت دورها كضامن أمني إقليمي، تهدف الصين إلى حماية مصالحها الطاقوية واستثماراتها الاستراتيجية، مما يجعل من الموقف المشترك لمحور (موسكو-بكين) حائط صد أساسيًا أمام تداعيات الهجوم الشامل على العمق الإيراني.

الحرب كفرصة لإعادة تشكيل النظام الدولي
من منظور أوسع، قد تجد موسكو وبكين في الحرب على إيران اختبارًا جديدًا لقدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها خارج نطاق التحالفات الغربية، خاصة في ظل تصاعد التوترات العالمية وتعدد بؤر الصراع.

وفي حال فشل أو تعثر أي عملية عسكرية، فإن ذلك سيوفر مادة سياسية ودعائية لكل من روسيا والصين لتأكيد سرديتهما حول تراجع الهيمنة الأمريكية، والدفع باتجاه نظام دولي أكثر توازنًا، قائم على تقليص التدخلات العسكرية الغربية.

كما أن الانشغال الأمريكي بجبهة شرق أوسطية جديدة قد يمنح موسكو هامش حركة أوسع في مسارح أخرى مثل أوروبا الشرقية، بينما يخفف الضغط الاستراتيجي عن بكين في شرق آسيا، ما يعزز من فرص إعادة توزيع الأدوار في النظام العالمي.

إدارة شبكة الوكلاء وتوازن الردع الإقليمي
تدرك كل من موسكو وبكين أن الحرب على إيران لن تبقى داخل حدودها الجغرافية، بل ستمتد إلى فضاء إقليمي أوسع عبر شبكات الحلفاء والوكلاء المرتبطين بطهران في أكثر من ساحة.

الحرب على طهران 
الحرب على طهران 

وفي هذا الإطار، فإن أي تصعيد من قبل هذه الشبكات ضد مصالح أمريكية أو غربية في الخليج أو شرق المتوسط قد يفرض واقعًا أمنيًا جديدًا يُربك حسابات واشنطن، دون أن يضع موسكو أو بكين في موقع المواجهة المباشرة، وهو سيناريو يخدم استراتيجية الاستنزاف غير المباشر.

ويعمل التحالف الروسي الصيني على تحويل الأراضي الإيرانية إلى منطقة صد استراتيجية عبر تعزيز القدرات الدفاعية والتشويش الإلكتروني، بهدف استنزاف القوى المهاجمة وحماية المصالح الجيوسياسية في أوروبا والشرق الأوسط.

سياسيًا، تقود بكين وموسكو جبهة دبلوماسية في الأمم المتحدة لتعرية الضربات الغربية واستخدام الفيتو لحماية طهران، بالتوازي مع ضمان سلامة ممرات الحزام والطريق وممر الشمال-جنوب لضمان أمنها الاقتصادي.

كما أن تعدد جبهات الرد المحتملة يخلق حالة من الردع المتبادل، تُصعّب تحقيق نصر عسكري سريع، وتدفع نحو تسويات سياسية لاحقة، وهو ما يمنح القوتين مساحة للتأثير في مخرجات ما بعد الحرب، سواء في ترتيبات الأمن الإقليمي أو إعادة بناء التوازنات.

الحرب على طهران 
الحرب على طهران 

ما بعد الحرب وإعادة هندسة التحالفات
في حال انتهى النزاع إلى إضعاف الدولة الإيرانية أو إنهاكها اقتصاديًا وعسكريًا، فإن مرحلة ما بعد الحرب ستفتح بابًا واسعًا لإعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط، وهو ما تتابعه موسكو وبكين باعتباره فرصة لإعادة التموضع.

قد تسعى القوتان إلى تعزيز حضورهما عبر اتفاقيات أمنية أو اقتصادية جديدة مع دول المنطقة، مستفيدة من تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية إذا ما طال أمد الحرب أو فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة.

كما أن إعادة إعمار البنية التحتية الإيرانية – في حال تعرضت لدمار واسع – قد تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل، بما يسمح لبكين بتوسيع نفوذها الاستثماري، ولموسكو بترسيخ شراكات طويلة الأمد في مجالات استراتيجية.

وتشير المعطيات إلى توجه التحالف نحو فرض ردع نوعي قد يساهم في تجميد الصراع عند مستويات مسيطر عليها أو يؤدي إلى تصعيد دولي أوسع حال تجاوز الخطوط الحمراء. اقرأ المزيد من التحليلات الإقليمية على الجزيرة نت.

الحرب على طهران 
الحرب على طهران 

خاتمة
في المجمل، لا تبدو موسكو وبكين مستعدتين للدخول في مواجهة عسكرية دفاعًا عن إيران، لكنهما في الوقت ذاته لن تقفا على الحياد الكامل؛ فالحرب من منظور العاصمتين ليست مجرد نزاع إقليمي، بل لحظة فاصلة قد تُستخدم لإعادة ضبط توازنات القوة عالميًا، عبر دعم سياسي واقتصادي محسوب يهدف إلى احتواء النفوذ الأمريكي دون الانزلاق إلى صدام مباشر معه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء