طارق الطيب: تواشيح النقشبندي وطوبار كانت تصنع سحر السحور الذي لا ينسى|حوار
• في رمضان كانت القاهرة كلها تنبض بالبهجة من البيوت إلى الأزقة.
• رمضان ليس مجرد طقوس، بل قصة عن العائلة والحي والحنين للوطن.
• مدفع الإفطار كان لحظة انتظار جماعي،ثم انطلاق نحو المائدة العامرة.
• أحيانا نصنع الحيل الطفولية لمعرفة من صام ومن أفطر بيننا.
• الغربة تغيرت فيها كل الطقوس، لكن ذكريات القاهرة تظل حية في القلب.
في القاهرة الفاطمية، وبين أزقة الحارات الشعبية، كان رمضان يقف على مفترق الذكريات.. ألوان الفوانيس في يد الأطفال، ورائحة قمر الدين والخشاف تملأ البيوت، في بيت جدته في الحسينية، عاش الكاتب والروائي المصري السوداني طارق الطيب طفولته الرمضانية، ليحفظ في قلبه تفاصيل الشهر الفضيل بكل طقوسه وطقوس الحي والجيران.
في حوار خاص لموقع إيجبتك، استعاد الطيب ذكرياته عن رمضان في القاهرة وعين شمس، وكيف تغيرت الطقوس بعد انتقاله إلى فيينا.. تحدث عن الأغاني والتواشيح التي كانت تصاحب أيام الصيام، وعن الفوانيس والجولات المسائية التي كانت تجمع الأطفال والكبار على حد سواء، ليصنعوا من كل لحظة في رمضان قصة صغيرة من البهجة والانتماء.
كيف كان رمضان في مصر قديماً؟ وما هي الطقوس التي كنت تتبعها في ذلك الوقت؟
في القاهرة عشت طفولتي في شهر رمضان في أمكنة عديدة، تعود إلى أوائل الستينيات، بيت جدتي لأمي في الحسينية، حيث تعيش معها خالتي و"نينة" أم جدتي، فنذهب مع أمي وأبي لنعيش طقوسا فريدة في هذا الحي الشعبي العريق، حيث يبدأ الناس مبكرا في تجهيز زينة رمضان في الحارات والشوارع، وتجهز المحلات تلك اللمبات الملونة.
يظل بيت جدتي من الصباح حتى قبيل المغرب مشغولا في تجهيز المشروبات الرمضانية وعلى رأسها قمر الدين والخشاف والتمر هندي والأكلات الدسمة الكثيرة، تظل المساجد مفتوحة طوال اليوم، والراديو ينقل يعد العصر تلاوات أكثرها عذوبة هو صوت الشيخ محمد رفعت.
في رمضان يسعدنا نحن الأطفال النزول لشراء أي شيء بسيط يحتاجه البيت: ملح، خل، سكر، خبز، أرز... إلخ، سواء خلال النهار أو بعد المغرب، بعد الإفطار يجتمع الكبار للاستماع إلى الراديو ومسلسلات رمضان إذ لم تكن توجد تلفزيونات في معظم البيوت.
ما هي الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟
في مدرستي الإمام محمد عبده الابتدائية المشتركة في عين شمس، نسأل بعضنا البعض، هل هناك مفطر بيننا اليوم؟ نخترع كل الحيل الطفولية التي سمعناها، بدءا من التأكد من لون اللسان، فإن كان أبيضَ تماما؛ فهو صائم.
أو أن نقرص جلد عقلة أصبع يد الزميل، لنتأكد أنها لا تستعيد شكلها الطبيعي بسرعة، فلو استعادتها بسرعة نتأكد أنه مفطر وفقا لمختبرات وحيل الأولين.
لكن أيضا قبل رمضان بيوم أو يومين، نبدأ في تجهيز زينة رمضان. نُخرج مدخراتنا القليلة لشراء "القزاز" الملون والصمغ أو العجين وكذلك "الدوبار" اللازم، ثم نتواصل برمي الخيوط بالزركشات الملونة من بلكون لبلكون أو من شباك لشباك، يشاركنا في ذلك كل أهل الحي الكبار والصغار سواء أقباط أو مسلمين، وقد يتبرع بعض أصحاب المحلات ببعض اللمبات الملونة لتكتمل الزينة المبهجة.
ننتظر بكل شغف لحظة الاستماع لجملة: "مدفع الإفطار: إضرب!" ننطق جميعا كأطفال في صوت واحد مرتفع: "بوم"، ونركض نحو الموائد العامرة بما لذ وطاب.
تبدأ جولاتنا المسائية نحو بيوت الجيران في البيت والحارة، حاملين الفوانيس ذات الشموع، نقف مرات لنشعل شمعة انطفأت عند صديق أو أخت، لا نستثنى بيتا من الطرق على بابه سواء أصحابه أقباط أو مسلمين، والكل يرحب بنا بإعطائنا "العادة" ونحن نغني: (ادينا العادة لبة وزيارد والفانوس طقطق والعيال ناموا). نجمع حصيلة طيبة من الجيران من حلوى ومكسرات وأحيانا نقود، ثم نجلس لتقسيم التركة والتهام الغنائم.
ما هي الأغاني والتواشيح تعودتِ سماعها في رمضان؟
نستمع إلى أجمل الأغنيات التي ما زالت عالقة في الذهن: وحوى يا وحوى، رمضان جانا لمحمد عبد المطلب، هاتوا الفوانيس يا ولاد لمحمد فوزي، أهو جه يا ولاد للثلاثي المرح، والله لسه بدري والله يا شهر الصيام لفايزة أحمد.
قبل السحور نستمع الى التواشيح الجميلة للنقشبندي ونصر الدين طوبار، وننتظر مرور أبو العمدة المسحراتي، الذي كان من عادته أن ينادي على أصغر طفل في كل عائلة.
كيف تغيرت طقوس رمضان بعد الانتقال إلى فيينا مقارنة بمصر؟ وما التغيرات في طبيعة الأيام والاحتفالات؟
بعد الانتقال إلى فيينا قبل أكثر من أربعين سنة، اختلفت طقوس رمضان الشرقية أو المصرية خصوصا، فأيام رمضان تمر هنا في أوروبا كأيام عمل عادية لا إجازة فيها إلا لمن يعمل في المؤسسات العربية أو الإسلامية.
ستكون هناك دعوات للإفطار الجماعي لكثير من العائلات المسلمة كمحاولة لتعويض "اللمة" التي كانت في البلاد، لكن ستختلف طبيعة الأيام خصوصا عندما تغيب الشمس قبيل التاسعة ليلا، وينتظر الجميع كل عام الفتوى الصحيحة: هل يفطرون على موعد الإفطار في بلادهم؟ أم في موعد ثابت يعتبرونه هو الموعد الذي يوافق الجميع؟
كذلك تمر الأعياد بشكل خافت إلا من زيارات بعض الأهل والاقارب الموجودين في الغرب أو الأصدقاء والأقران، فيذهبون الى المنتزهات والحدائق العامة ويقضون بضعة أيام يحتفلون فيها بالعيد.
طارق الطيب
من مواليد القاهرة 1959، لأب سوداني وأم مصرية، انتقل إلى فيينا عام 1984 ودرّس في ثلاث جامعات نمساوية حتى 2024، نشر 18 كتابًا بالعربية و21 مترجمًا لعدة لغات أوروبية، وحاز جوائز دولية منها منحة إلياس كانتي والجائزة الذهبية للشعر باليونان، كما نال وسام الجمهورية النمساوية تقديرًا لإسهاماته الأدبية والثقافية.