شهدت الدراما المصرية، خاصة في الموسم الرمضاني خلال السنوات الأخيرة، تحولات واضحة في الشكل والمضمون، بعض هذه التحولات كان إيجابيًا من حيث جودة العمل الدرامي، وتنوع الموضوعات، والاهتمام بالتفاصيل الإنتاجية، لكن في المقابل ظهرت ملامح مقلقة تتعلق بطبيعة القضايا المطروحة وطريقة تناولها. فمشاهد العنف المفرط، وانتشار صور البلطجة، وتقديم سلوكيات شاذة أو مرفوضة اجتماعيًا بوصفها أمرًا عاديًا، بل أحيانًا جذابًا، باتت تثير تساؤلات جدية حول حدود الحرية الفنية ومسؤولية التأثير.
لا يمكن إنكار أن الدراما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي أداة لتشكيل الوعي، وصناعة الاتجاهات، وبناء صور ذهنية لدى الجمهور، خاصة لدى الأجيال الجديدة. حين تُعرض أنماط سلوكية تفتقد الحد الأدنى من المنطق الأسري، أو تتجاوز الخصوصية والقيم المجتمعية، دون معالجة نقدية واضحة، فإن ذلك يخلق حالة من الالتباس بين ما هو درامي خيالي وما هو قابل للتقليد في الواقع. الخطورة لا تكمن في مناقشة القضايا الشائكة، فالفن الحقيقي لا يهرب من الأسئلة الصعبة، وإنما في طريقة تقديمها، وفي الرسائل الضمنية التي قد تصل إلى المشاهد دون قصد.
عندما تم الإعلان عن تشكيل لجنة متخصصة للدراما، لتكون بمثابة إطار منظم يضع أسسًا تحمي المجتمع وتوازن بين الإبداع والهوية، ساد قدر من التفاؤل. وبالفعل شاهدنا تحسنًا ملحوظًا في بعض الأعمال، واختفاء نماذج كانت بعيدة تمامًا عن طبيعة المجتمع المصري وقيمه، وأسهمت في تشويه صورته، غير أن هذا التحسن لا يمنع من الإشارة إلى بعض التجاوزات التي ما زالت تُمرر تحت يافطة “حرية التعبير”، رغم أنها تمس ثوابت دينية واجتماعية مستقرة.
من بين هذه القضايا ما طُرح في مسلسل “كان ياما كان”، حيث تم تقديم فكرة المساكنة من خلال الأحداث، مع تبرير رفض الزواج على لسان البطلة، واعتبار العلاقة خارج الإطار الرسمي أمرًا مقبولًا أو خيارًا شخصيًا مشروعًا لا يستدعي المساءلة.
ولم يكن هذا العمل الوحيد الذي تضمن مشاهد مشابهة، إذ ظهرت إشارات عابرة في مسلسلات أخرى تُعرض حاليًا، وهو ما يعكس حالة من التدرج في إدخال مفاهيم جديدة على المجتمع عبر الشاشة. قد يرى البعض أن الدراما تعكس الواقع، لكن السؤال: أي واقع نقصد؟ هل هو واقع الأغلبية بقيمها وعاداتها، أم نماذج محدودة يتم تضخيمها لتبدو وكأنها القاعدة؟
المجتمع المصري له خصوصية ثقافية ودينية واضحة، تشكلت عبر قرون طويلة من التفاعل الحضاري، ولم يكن يومًا منغلقًا على ذاته، لكنه في الوقت نفسه حافظ على منظومة قيمية متماسكة. الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، والاطلاع على ثقافات أخرى لا يستلزم استيراد أنماط سلوكية تتصادم مع بنية المجتمع. صحيح أن الدراما المصرية شهدت في العامين الماضيين نقلة نوعية على مستوى الموضوعات والإنتاج، وابتعدت إلى حد كبير عن الأعمال التي كانت تقدم صورة مشوهة للمصريين أو تختزلهم في أنماط سلبية، لكن التحدي الحالي يتمثل في الحفاظ على هذا التحسن، مع تجنب الوقوع في فخ تقليد نماذج أجنبية لا تعبر عن هويتنا. فسيطرة الثقافة الأجنبية على ملامح المحتوى ليست مجرد مسألة شكلية، بل قضية هوية وانتماء.
لدينا في مصر رصيد هائل من الحكايات والتواريخ والرموز القادرة على إلهام أجيال كاملة. التاريخ المصري القديم زاخر بالأحداث والشخصيات التي تصلح لأعمال درامية ملحمية، وأيضًا التاريخ الحديث يضم رموزًا في مجالات الدين والسياسة والعلم والفن والرياضة يمكن تقديمها كنماذج إيجابية ومُلهمة. لماذا لا تتحول هذه الكنوز إلى مشاريع درامية كبرى تعيد ربط الشباب بجذورهم، وتقدم لهم قدوة حقيقية بدلًا من استيراد نماذج لا تشبههم؟
المطلوب ليس فرض وصاية صارمة على الفن، ولا مصادرة حق المبدع في طرح القضايا الحساسة، بل إيجاد توازن حقيقي بين حرية الإبداع ومسؤولية التأثير. فالشاشة الصغيرة تدخل كل بيت، وتخاطب كل الأعمار، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة معزولة عن المجتمع. حين يدرك صانعو الدراما أن تأثيرهم يتجاوز حدود التسلية إلى تشكيل الوعي الجمعي، ستصبح اختياراتهم أكثر وعيًا، وحرصهم على الهوية أكثر حضورًا.
إن حماية المجتمع لا تعني تجميده، كما أن التطوير لا يعني القطيعة مع الجذور. وبين هذين الحدين تقف الدراما المصرية اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تكون أداة لبناء الوعي وتعزيز القيم، أو تتحول إلى معبر لثقافات لا تعبر عنا. والمسؤولية هنا مشتركة بين المبدع والرقابة والجمهور، لأن الحفاظ على الهوية ليس مهمة فرد، بل مشروع أمة بأكملها.