أستاذ جامعي: العقاب وحده لا يكفي لإنهاء اعتداءات الطلاب على المعلمين
في وقت تتصاعد فيه وقائع الاعتداء على المعلمين داخل المدارس، وتتزايد المطالبات بتشديد العقوبات وتغليظ الجزاءات، طرح الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، قراءة أعمق لجذور الأزمة، مؤكدًا أن التركيز على العقاب فقط يعالج العرض ولا يمس جوهر المشكلة.
وشدد في تصريحات خاصة لـ إيجبتك على أن ما يحدث ليس مجرد انحرافات سلوكية فردية، بل انعكاس لاختلال في العلاقة بين الطالب والمعلم، تراكم عبر سنوات نتيجة عوامل اجتماعية وتعليمية متشابكة، على رأسها أزمة الثقة والدروس الخصوصية والصورة الذهنية السلبية المتبادلة.
أزمة ثقة تضرب جذور العلاقة التعليمية
ويرى حجازي أن العلاقة بين الطالب والمعلم أصبحت في السنوات الأخيرة علاقة متوترة، يغلب عليها الشك وسوء الفهم، فبعض الطلاب باتوا ينظرون إلى المعلم باعتباره طرفًا يسعى إلى تحقيق مكاسب مادية من خلال الدروس الخصوصية، لا باعتباره قدوة وموجهًا تربويًا، ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في التعميم الخاطئ فحسب، بل في ترسخ صورة ذهنية سلبية لدى عدد من الطلاب، يتم تعميمها على جميع المعلمين دون تمييز بين من يؤدي رسالته بإخلاص ومن يحترف الدروس خارج إطار المدرسة.
وأشار إلى أن هذه النظرة المتشككة تهز الثقة داخل الفصل الدراسي، وتجعل الطالب يتعامل مع أي توجيه من المعلم باعتباره محاولة للضغط أو الاستغلال، حتى وإن كان الهدف تربويًا بحتًا. وهنا يتشكل ما وصفه بـ"العداء الكامن"، وهو شعور داخلي غير معلن، لكنه يظهر بقوة عند أول احتكاك أو خلاف، فيتحول إلى رد فعل عدواني.
الدروس الخصوصية وصناعة الصورة الذهنية السلبية
وأكد أستاذ علم النفس التربوي أن انتشار الدروس الخصوصية لعب دورًا محوريًا في توتير العلاقة، ليس فقط بسبب الممارسة ذاتها، بل بسبب الخطاب المصاحب لها عبر بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي. فاستعراض مجموعات الطلاب والحديث المتكرر عن الأرباح والمجاميع المرتفعة، أسهم في تكوين انطباع لدى بعض الطلاب بأن الهدف الأساسي هو المال، وليس الرسالة التعليمية.
ويضيف أن الطالب في هذه الحالة لا يفرق بين المعلم الذي يعمل داخل المدرسة بضمير مهني، وبين من يمارس نشاطًا خارج المنظومة الرسمية. هذا الخلط يُنتج حالة من التعميم الظالم، ويغذي شعورًا بالعداء تجاه المدرسة باعتبارها ممثلة للنظام التعليمي بأكمله، ما يجعل المعلم في نظر الطالب "الناطق الرسمي" باسم كل مشكلات المناهج وصعوبة الامتحانات وظواهر الغش.
إسقاط الغضب على المعلم داخل الفصل
وشدد حجازي على أن الطالب حين يشعر بالضغط من المناهج أو بالقلق من الامتحانات، لا يجد أمامه سوى المعلم ليصب عليه غضبه. فالمعلم هو الواجهة اليومية للنظام، وهو الطرف المباشر في التفاعل، ما يجعله هدفًا سهلًا لأي توتر أو احتقان. ويرى أن هذا السلوك غير مقبول تربويًا، لكنه يصبح مفهومًا إذا نظرنا إليه في سياق فقدان الثقة وغياب التواصل الإيجابي.
وحذر من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من الاحتقان داخل المدارس، ما لم يتم العمل على إعادة بناء العلاقة من أساسها، عبر مناخ مدرسي إيجابي يعزز الاحترام المتبادل ويمنح الطالب فرصة للتعبير عن نفسه في إطار من الانضباط.
استعادة الثقة مفتاح الحل الحقيقي
كما أكد حجازي أن الحل يبدأ باستعادة الثقة بين الطالب والمدرسة، وإعادة الاعتبار لدور المعلم كمرشد وقدوة، لا كمصدر دخل فقط. ويشدد على أهمية أن يبذل المعلم أقصى جهده داخل الفصل، وأن يشعر الطالب بالاهتمام الحقيقي بقدراته وطموحاته، في بيئة تربوية صحية تحفزه على التعلم وتحقيق أهداف واضحة.
وفي الوقت ذاته، لا ينفي أهمية العقاب، لكنه يعتبره جزءًا من منظومة أشمل. ويدعو إلى تطوير لائحة الانضباط المدرسي، بل ويقترح إصدار قانون خاص بالعقوبات داخل قطاع التعليم، يتضمن جزاءات مغلظة على أي اعتداء، مع تحميل الأسرة جزءًا من المسؤولية عبر غرامات في حال ارتكاب الطالب مخالفات جسيمة.
مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة
واختتم الخبير التربوي حديثه بالتأكيد على أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد. فلا الأسرة وحدها قادرة على تقويم السلوك دون دعم المدرسة، ولا المدرسة تستطيع النجاح في مهمتها التربوية دون تعاون الأسرة. الحل، كما يراه، يكمن في التنسيق الكامل بين الطرفين، عبر تواصل مستمر وخطة تربوية مشتركة تضمن توحيد الرسائل والانضباط، مؤكدا أن أي جهد منفرد، مهما كان قويًا، لن يحقق النتائج المرجوة، ما لم يتحول إلى عمل تكاملي يعيد بناء جسور الثقة داخل المدرسة المصرية، ويؤسس لعلاقة صحية بين الطالب والمعلم قائمة على الاحترام، لا الصدام.