رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

اختارت إسرائيل أن تفجر المسار الدبلوماسي بالكامل، إذ وجهت ضربة صاروخية استهدفت قصر الباستور ووزارة الدفاع الإيرانية ومقر الحرس الثوري في طهران، من أجل توريط واشنطن في حربٍ انتحارية. لكن الصدمة ليست في الانفجارات التي هزت طهران، بل في السيناريو المقلق الذي بدأه النظام الإيراني للتو، إذ شرع في عزل إيران رقمياً تدريجيًا، وفصل الإنترنت عن كثير من المدن الإيرانية لتحويل الداخل إلى ثقب أسود، بحيث لا تستطيع واشنطن إدراك مصير هجماتها القادمة، ولا رادارات المنطقة ستعرف من أين ستخرج الصواريخ الإيرانية القادمة أو متى.

ومن المهم الإشارة إلى أن تعجيل إسرائيل من سيناريو الحرب كان بهدف منع أي اتفاق جزئي يهدد عقيدتها الأمنية، التي ترى أن أي اتفاق لا يتضمن البرنامجين الصاروخي والنووي الإيراني وملف الحلفاء الإقليميين هو بمثابة تهديد استراتيجي ووجودي لها؛ ولهذا اختارت التصعيد العسكري على أمل تركيع النظام الإيراني وإسقاطه، خصوصًا وأنها تبنت تلك العقيدة الأمنية منذ أكتوبر 2025، عندما أصدر برنامج السياسات الإيرانية في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي (JINSA) وثيقة استراتيجية بعنوان: "البناء على أساس النصر: استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران بعد حرب الـ12 يومًا"، إذ وضعت إطارًا هجومياً صريحًا للسياسة الأمريكية تجاه الجمهورية الإسلامية، ورسمت ملامح مرحلة تتجاوز الردع إلى فرض المسار بالقوة.

ويُعد معهد (JINSA) منظمة غير ربحية يرأسها الدكتور مايكل ماكوفسكي، الحاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة هارفارد، وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في صياغة السياسات الأمنية الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بعلاقات واشنطن بكل من إسرائيل وإيران. وغالبًا ما يُصنف المعهد ضمن تيار المحافظين الجدد الداعي إلى اتباع سياسة أمنية شديدة الصرامة تجاه الخصوم الإقليميين لإسرائيل، وعلى رأسهم إيران.

وعليه، فإن سرعة إيران في تنفيذ ضربات صاروخية استهدفت قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة السالم في الكويت، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، هي تحقيق لوعيدها بأن أي غدر أمريكي إسرائيلي واستخدام للمجال الجوي لدول الخليج هو بمثابة اعتداء من تلك الدول؛ ولهذا لم تنتظر إيران توجيه تحذير لتلك الدول، وإنما باغتتها بهجمات صاروخية لا تزال مستمرة إلى الآن. وعليه، من المتوقع أن تشهد أسعار النفط، وخاصة خام برنت، قفزة انفجارية قد تتجاوز حاجز الـ150–200 دولار للبرميل خلال الساعات القادمة. هذا الارتفاع ليس ناتجًا عن نقص الإمدادات فحسب، بل بسبب ارتفاع مستوى المخاطر القصوى، إذ أصبحت منشآت النفط الخليجية والممرات المائية (مضيق هرمز وباب المندب) بنك أهداف للضربات الإيرانية.

كما سيؤدي إعلان جماعة الحوثي عن استهداف ناقلات النفط الأمريكية والإسرائيلية في البحر الأحمر، بالتزامن مع الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية في دول الخليج، إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين البحري بنسبة قد تصل إلى 300٪؛ وبالتالي قد تعلن شركات التأمين البحري العالمية، مثل "لويدز لندن"، بأن المنطقة بأكملها منطقة حرب محظورة، ما يعني وقف حركة الناقلات تمامًا وليس فقط رفع تكلفتها.

علاوة على ذلك، أي تأخير في سلاسل الإمداد سيعني ارتفاعًا فوريًا في أسعار السلع الأساسية والمحروقات في واشنطن والعواصم الأوروبية، وهذا بلا شك يضع إدارة ترمب أمام حسابات اقتصادية مريرة، خاصة وأن المعضلة الحقيقية الآن هي حدود التصعيد الإيراني. فقد أعلن التلفزيون الإيراني الرسمي نقلاً عن حسين جابري أنصاري، مستشار وزارة الخارجية الإيرانية والمدير العام لوكالة الأنباء الرسمية "إيرنا"، أن ما أُطلق اليوم كان من مخزون قديم، مؤكّدًا أنه سيتم قريبًا الكشف عن أسلحة لم تُرَ من قبل، في إشارة إلى أن إيران تريد توريط المنطقة في حرب شاملة سينتج عنها انهيار اقتصادي عالمي لا يمكن لأحد احتواؤه.

في المحصلة، تهدف الضربات الإيرانية على العمق الخليجي والإسرائيلي، بالتوازي مع عزل الداخل رقمياً، والتمهيد لتعطيل الرادارات الأمريكية في المنطقة، إلى إنشاء منطقة حظر اقتصادي غير معلنة. أي أن طهران تراهن على أن التداعيات الاقتصادية ستكون أقوى من الضربات الجوية الإسرائيلية. ومن أجل هذا، يُتوقع أن تستثمر في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز لإجبار القوى الدولية على التراجع وطلب التهدئة بأي ثمن لإنقاذ ما تبقى من استقرار مالي عالمي. ولهذا، لا نستغرب التحركات الروسية لعقد جلسة طارئة في مجلس الأمن من أجل التهدئة ووقف الحرب بشكل عاجل.

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء