رباط «خوند زينب».. أقدم دور للرعاية النسائية بمصر يتحول لخرابة مهملة| صور
في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا بحارة الرباط المتفرعة من شارع الخرنفش قرب شارع المعز، يقف مبنى رباط خوند زينب الذي شهد تجربة اجتماعية وإنسانية سبقت عصرها بقرون.
متى أنشا مبنى رباط خوند زينب؟
هذا المبنى أُنشئ عام 860هـ -1455م لم يكن مجرد منشأة دينية، بل مؤسسة رعاية نسائية متكاملة، خصصتها زوجة السلطان لإيواء الأرامل والمطلقات والعجائز، في وقت لم تكن فيه مفاهيم الحماية الاجتماعية قد تبلورت بصيغها الحديثة.

من هي خوند زينب؟
صاحبة الرباط هي خوند زينب بنت العلائي علي بن خاص بك، زوجة السلطان المملوكي الأشرف إينال الذي حكم بين عامي 857هـ 1453م و865هـ -1461م؛ تزوجت خوند زينب إينال في بدايات حياته عام 825هـ -1421م، بعد وفاة أختها التي كانت في عصمته، ومع توليه السلطنة، تعاظم نفوذها داخل البلاط المملوكي، حتى وصفها المؤرخ شمس الدين السخاوي في كتابه “الضوء اللامع” بأنها انفردت بين الخوندات بوفور الحرمة ونفوذ الكلمة، وكان السلطان يطيعها طاعة تامة، ولم يتزوج عليها حتى وفاته.

أنجبت خوند زينب للسلطان أبناء عدة، أبرزهم شهاب الدين أحمد المعروف بالمؤيد أحمد، الذي تولى السلطنة لفترة قصيرة بعد وفاة أبيه عام 865هـ/1461م، إضافة إلى الناصري محمد وابنتيها فاطمة وبدرية، و إرثها الأبرز لم يكن في النسب السلطاني، بل في هذا الصرح الذي عكس وعيًا مبكرًا بحق المرأة في المأوى الكريم والحياة الآمنة.
هذا النفوذ لم يكن سياسيًا فحسب، بل تجسد في عمل خيري باق حتى اليوم، فقد أنشأت رباطًا “حسنًا للأرامل” بالقرب من زاوية بني وفا في الخرنفش، وخصصت له أوقافًا جزيلة تضمن استمراريته.

رعاية النساء في العصر المملوكي
ويعد رباط خوند زينب من أقدم دور الرعاية النسائية الباقية من العصر المملوكي، بل إنه الوحيد الذي ما زال قائمًا بشكله الأساسي، بعدما اندثرت أربطة أخرى سبقته، مثل رباط البغدادية الذي أنشأته تذكار باي خاتون ابنة الظاهر بيبرس، ورباط أم العادل من العصر الأيوبي.

وتؤكد الدراسات المعمارية، ومنها ما أورده الدكتور محمد عبد الستار عثمان، أن هذه الأربطة كانت أقرب ما تكون إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية بمفهومها الحديث، إذ كانت تستقبل الأرامل ومَن أقعدتهن الحاجة.
والرباط في الأصل مصطلح يُطلق على بيوت الصوفية ومعتكفهم، لكنه في هذه الحالة جمع بين الوظيفة الروحية والاجتماعية؛ إذ كان مأوى للنساء المنقطعات، ومكانًا للعبادة والذكر والتعليم، وعينت على الرباط الشيخة حسناء الوفائية لتتولى الإشراف وتعليم المقيمات وتثقيفهن، في صورة مبكرة لمؤسسة رعاية متكاملة الأركان.

إهمال دار خوند زينب
اليوم، يُسجل الرباط كأثر برقم (61) ضمن آثار القاهرة الإسلامية، غير أن حالته الراهنة لا تعكس قيمته التاريخية، فالمياه الجوفية تحاصر أساساته، والمباني الحديثة تطوقه من كل جانب، ولم يبقَ من معالمه الظاهرة سوى بابه العمومي المميز، تعلوه مقرنصات وتزين واجهته بقايا رخام ملون، وعلى جانبيه مكسلتان تشهدان على جمال معماري مملوكي دقيق، ويطرح اليوم سؤالًا ملحًا حول مسؤولية إنقاذ هذا الأثر الفريد قبل أن يندثر ما تبقى منه.