رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

شهد مفهوم الأمن في العلاقات الدولية تحوّلًا جوهريًا خلال العقود الأخيرة؛ فلم يعد يُفهم بوصفه مجرد حماية عسكرية للحدود أو توازنًا تقليديًا للقوى، بل أصبح إطارًا أشمل يتداخل فيه السياسي بالاقتصادي والصحي والبيئي. الأدبيات الحديثة، خاصة في إطار المدرسة الليبرالية المؤسسية كما طرحها روبرت كيوهان، تؤكد أن المؤسسات الدولية تخفّض من درجة عدم اليقين، وتزيد الشفافية، وتدعم الثقة المتبادلة بين الدول.

 

 في المقابل، ترى الواقعية البنيوية عند كينيث والتز، أن بنية النظام الدولي القائمة على الفوضى تجعل الدولة تعتمد أساسًا على قدراتها الذاتية. غير أن الواقع المعاصر يكشف أن التهديدات العابرة للحدود تفرض أنماطًا جديدة من التعاون، حتى بين الخصوم.

أحد أبرز الأمثلة المعاصرة يتمثل في استمرار التنسيق داخل الاتحاد الأوروبي في مواجهة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية. فبدل الانقسام، اتجهت الدول الأعضاء إلى سياسات موحدة في مجالي الطاقة والدفاع، وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وتكثيف التعاون الأمني. هذا النموذج يوضح أن الأمن الجماعي يمكن أن يكون أداة استقرار في بيئة دولية مضطربة.

في الشرق الأوسط، يبرز استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران بوساطة الصين مثالًا واضحًا على أن خفض التصعيد يخدم الأمن الإقليمي أكثر من منطق المواجهة المفتوحة. ورغم استمرار التنافس الجيوسياسي، فإن إدارة الخلاف عبر القنوات السياسية خفّضت من احتمالات الانزلاق إلى صدام مباشر.

كذلك، يشهد الإقليم تحركات مرتبطة بأمن البحر الأحمر في ظل تصاعد التهديدات للملاحة الدولية. التعاون البحري بين عدد من الدول العربية والقوى الدولية لتأمين خطوط التجارة يعكس إدراكًا بأن أمن الممرات الاستراتيجية مسؤولية جماعية، لا يمكن لدولة منفردة تحمّلها.

على المستوى الدولي، يعكس توسع مجموعة بريكس محاولة قوى صاعدة إعادة تشكيل موازين التأثير في النظام الاقتصادي العالمي، عبر تعزيز التعاون المالي والتجاري بعيدًا عن الاحتكار التقليدي للمؤسسات الغربية. هذا التوجه لا يلغي التنافس، لكنه يؤسس لصيغ توازن جديدة قائمة على التنسيق بين اقتصادات كبرى في الجنوب العالمي.

وفي آسيا، واصلت دول رابطة دول جنوب شرق آسيا تبني سياسة الحياد الإيجابي بين الولايات المتحدة والصين، مع التركيز على التكامل الاقتصادي وخفض احتمالات عسكرة الخلافات في بحر الصين الجنوبي. هذا النموذج يبين أن التعاون الاقتصادي يمكن أن يكون أداة احتواء للصراع.

حتى في مجال الأمن الصحي، ما زال التنسيق عبر منظمة الصحة العالمية ضروريًا في متابعة المتحورات الوبائية وتبادل البيانات، وهو ما يؤكد أن الأمن الإنساني أصبح جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الشامل.

من منظور عربي، يتسع مفهوم الأمن ليشمل أمن الغذاء والطاقة والمياه. مشروعات الربط الكهربائي بين بعض الدول العربية، والتعاون في مجالات الاستثمار والبنية التحتية، تمثل تطبيقًا عمليًا لفكرة أن الاعتماد المتبادل يقلل من هشاشة الدول أمام الصدمات الخارجية.

الخلاصة أن الأمن عبر التعاون لا يعني التخلي عن أدوات الردع، بل يعني إدراك أن عالم اليوم تحكمه شبكة مصالح متشابكة. في بيئة دولية تتسم بتصاعد الاستقطاب، يصبح التعاون المدروس أداة عقلانية لتحقيق الاستقرار، خصوصًا في مناطق تعاني تاريخيًا من فائض الصراعات ونقص الثقة. من هذا المنظور، يبدو أن بناء الاعتماد المتبادل ليس خيارًا مثاليًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء