رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفانوس أبو شمعة وصوت الراديو.. رمضان زمان في عيون أبناء كفر الشيخ

فانوس رمضان
فانوس رمضان

حينما يجلس الإنسان مع نفسه ليتذكر أجمل سنوات عمره، خاصة أيام زمان وذكريات شهر رمضان الجميلة، حيث كانت وسائل الاتصال معدومة، ولكن كانت النفوس والقلوب متصلة بالحب والرضا، وفي ليلة الرؤية لمعرفة قدوم شهر رمضان، كان كل رب أسرة ممن لديهم راديو – وكانوا قليلين لأن الحياة كانت صعبة – يترقب الإعلان.

انتظار الرؤية من الراديو

كان كل رب أسرة يجلس مع زوجته وأطفاله بعد صلاة العشاء أمام الراديو – كما يقول صبري عثمان، المحامي بالنقض – للاستماع إلى رؤية شهر رمضان، وفور الإعلان بأن غدًا أول أيام رمضان، كانت القرية تتحول إلى فرح كبير، ويخرج الأطفال بصفيحة يطرقون عليها بدلًا من الطبلة، ويطوفون شوارع القرية هاتفين: (رمضان بكرة.. رمضان بكرة.. حضروا السحور)، ويتبادل أهالي القرية التهاني وكأنهم في عيد.

كان ذلك في قريتي «الأصيفر البلد» التابعة لمركز دسوق، حيث عشت طفولتي،. كانت أيامًا جميلة رغم بساطتها. 

وأثناء الفطور، كانت السيدات يتبادلن الطعام بإهداء أطباق مما طهين، وكانت القرية كلها وكأنها أسرة واحدة، والجميع يعيشون سيمفونية حب. 

ورغم الحالة الاقتصادية الصعبة، إلا أن الرضا بما قسم الله وأنعم به كان يحيل حياة الجميع إلى جنة، أما الآن، فلم يعد أحد راضيًا بنصيبه، وينظر إلى غيره، فانعدمت البركة وكثرت المصائب.

زمان وأيام زمان

المهندس صبري بهوت، من مدينة برج البرلس، يعود بذاكرته إلى الوراء متنهّدًا، ويقول: يا سلام على زمان وأيام زمان. 

كان شهر رمضان عبارة عن فولكلور جميل، وكانت له نكهة لا يشعر بها إلا من عاشها، لم يكن قد تم اختراع التلفزيون، ولم يكن موجودًا سوى الراديو الصغير، وعدد محدود في القرية من أثريائها هم الذين يملكونه. 

وكان الأطفال يتجمعون في منزل من لديه راديو عقب تناول الفطور مباشرة للاستماع إلى المسلسل في إذاعة الشرق الأوسط.

فلن ننسى مسلسل فؤاد المهندس وشويكار «شنبو في المصيدة» مثلًا، أو «ألف ليلة وليلة»، حيث كنا نتابعها ونسرح بخيالنا البريء مع أبطالها.

وفي تلك الأيام، كان الكبار ينامون بعد الفطور وصلاة العشاء انتظارًا للسحور على صوت مسحراتي القرية، الذي كان يطوف الشوارع طارقًا على صفيحة يحملها بدلًا من الطبلة، وخلفه الأطفال لإيقاظ الأهالي للسحور. 

وفي صباح العيد، كان يطوف الشوارع ليحصل على الكعك والبسكويت مقابل عمله من الأهالي.

وقال: كنا نتناول الفطور على أذان الشيخ النقشبندي، ونستمع لقرآن العصر والمغرب بصوت الشيخ محمد رفعت، رحمهما الله، وليلاً أيضًا كنا نستمع لفوازير الشرق الأوسط، وكنا ننتظرها على أحر من الجمر.

كانت الحياة بسيطة جدًا، وأمهاتنا كنّ يتفننّ في إعداد المأكولات البسيطة غير المكلفة؛ فاللحم لم نكن نأكله إلا مرة أو مرتين في الشهر هو والسمك، لكن الفرن البلدي كان يوميًا توضع فيه «أبرمة» الأرز وصواني البطاطس – دون لحوم طبعًا، وأحيانًا كانت السيدات يخبزن خبزًا يُطلق عليه «خبز غربال» أو «الخبز المصري»، وكان له طعم جميل نأكله مع صواني البطاطس.

كانت هناك قناعة ورضا، وكانت الحياة بسيطة وسهلة، والجميع راضٍ برزقه الذي قسمه الله له، وكانت «العجة» من مأكولات شهر رمضان الكريم، وفي السحور كان الفول المدمس، والجبن، والزيتون بنوعيه، والليمون المخلل، والمعصفر.

ومن الأشياء الجميلة التي لم أنسها، أننا كنا – ونحن أطفال – نطوف شوارع القرية جماعات ونطرق على صفيحة، وننادي: (المسمار والكنكة والدار دي فيها بركة)، فإن أعطونا «البكاكيم» – وهي قرص من الخبز – قلنا: فيها بركة، وإن تجاهلونا ننادي: (خراب يا دار خراب)، فكانوا يرشون علينا المياه لتطفيشنا.

رمضان زمان كان شهر اللمة والبركة

الدكتورة فريدة عبده، عضو مجلس محلي المحافظة سابقًا، تقول: يا سلام على رمضان زمان، كان فيه اللمة والبركة والحب بين الناس، وصلاة التراويح والسهرات الرمضانية الجميلة حتى صلاة الفجر. كانت أيامًا كلها تكافل في تكافل، وكانت الناس تعيش في بساطة.

كان الفانوس بشمعة وجميلًا، أما الآن فنراه مستوردًا، ويتبارى الجميع في شراء أغلى فانوس، وضاعت بهجة وبساطة رمضان وروحانياته، وكان التمر باللبن وجبة مفضلة في رمضان، أما الآن فـ«ياميش» رمضان المستورد بأعلى الأسعار، والناس تصرخ من الغلاء ولا ترحم نفسها.

وطالبت الدكتورة فريدة عبده بالرجوع إلى بساطة أيام زمان لننعم برضا النفس وصفائها ونشعر بالطمأنينة؛ لأن الله فرض علينا الصيام لنشعر بالفقراء، أما الآن فتحول الصيام إلى عبء آخر بسبب التقليد الأعمى والتباري في شراء أغلى المأكولات، بينما الفقراء لا يجدون الخبز الحاف. وحتى إن أقيمت موائد الرحمن، فتكون أحيانًا من باب التظاهر والتفاخر، ويجب أن توزع الأطعمة سرًا حتى تعم الفائدة ولا تُجرح مشاعر الفقراء.

رمضان زمان كان بساطة وحب

المستشار جابر خليل قال إن رمضان زمان كانت الناس تعيش في بساطة وحب، وكان كلٌ راضيًا بما قسمه الله له، لذلك رضي الله عنا. وطالب بالرجوع إلى تلك الأيام الجميلة، ووجّه دعوة للجميع بنشر الحب والتآخي مع قدوم شهر رمضان الكريم، لتعم البركة بيننا ويعود الحب إلينا.

ليتها تعود أيام زمان التي أصبحت مجرد ذكرى

محمد سليم، محامٍ بالنقض، يقول: زمان كنا في شهر رمضان المبارك نفطر على إضاءة مآذن مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي بمدينة دسوق الأربع، ونمسك عن الصيام على إطفاء تلك المآذن، وكان أهل الخير يتفننون في تركيب اللمبات لإضاءتها. كما كان أهل الخير يقيمون موائد الرحمن حول المسجد وفي أنحاء المدينة، وكان الشباب يقفون في الطرق عند أذان المغرب ويوزعون أفخر الوجبات على المسافرين.

أما الآن، ومع تحول الحياة إلى حياة مادية، فأصبح كل ذلك مجرد ذكريات.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء