رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كلما يهل شهر رمضان أتذكر المسحراتي، ليس الشخص الذي يدور في الشوارع منادياً على إيقاع ثابت لإيقاظ الناس للسحور، ولكن الصورة الرمزية التي تحمل العديد من المعاني والدلالات لفكرة المسحراتي في أشعار فؤاد حداد، هذا الهرم الشعري الذي ألبس المسحراتي كل الأثواب في كل العصور والأزمنة ليعبر عن مصر وحالها وأحوالها ومشاعر أهلها وأفراحهم وأتراحهم.

هذه الأشعار التي لحن بعضها وتغنى بها الموسيقار الكبير الراحل سيد مكاوي، كانت بمثابة فقرة ثابتة للسحور في القنوات والإذاعات المصرية إلى أن اختفت مؤخراً. يمكننا أن نجد فيها حياة كاملة، من الأمل والألم، من السعادة والحزن، من الطموح والأمل إلى اليأس والإحباط، من القصص الشعبية وحكايات ألف ليلة إلى حواديت الشارع المصري وحتى المظالم والمآسي التي تملأ حياة البسطاء.

ببراعة الفنان التي لا تقاوم، والتي جعلته واحدًا من آباء شعر العامية المصرية، يحاور فؤاد حداد كل شبر في مصر: الناس البسطاء، المباني، التاريخ، الرموز، الأحبة، الفلاح القروي، العامل الكادح، رجل الشارع البسيط، ويقدّم لهم قصائد تعبر عنهم وتمس وجدانهم وتعرف طريقها إلى الخلود على دقتها وبساطتها.

و"إن كنت شايل خمسين سنة / لا ضهري مايل ولا انحنى / شفت الهوايل شفت الهنا / شفت ابتسامتك متلحنة / وارجع يا روحي على الغُنا / وادق بابك ولما تسأل أقول أنا / تعرفني من صوتي يا وليف / ده المشي طاب لي والدق على طبلي".

بهذه الكلمات يقدم المبدع نفسه كواحد من الناس الذين رأوا كل شيء: الخير والشر، المآسي والسعادة، البسمة المنيرة على وجوه البسطاء وما تحمله من قيمة فنية كبيرة، أخذها فؤاد حداد ووضعها بلمسته الخاصة في جملة شعرية بديعة: "شفت ابتسامتك متلحنة".

ومن مقطوعات الأمل الساحرة التي لا أكف عن استدعائها وترديدها لمسحراتي فؤاد حداد:
"وأنا المغني / ولأجل إني / يدوم شبابي / أعمل حسابي / ينقص منابي / من السنابل / لكن مناب الأمل تمام".

بجمل بسيطة وكلمات حية ومعانٍ عميقة، يرسل المسحراتي كلماته كأنها طلقات متتابعة، أمطار تهطل على آذان ووجدان وأرواح المستمعين، ليقدم قيمة مهمة هي الأمل والصبر على الظلم مهما قلّ العائد الذي يحصل عليه الشخص، لكن يظل لديه الأمل في القادم، نوع من الرضا بالمقسوم مع الطموح المشروع في أن يحمل المستقبل حظًا أوفر.

لم يكتفِ المسحراتي بتقديم الدفقات الشعورية البسيطة والمحببة إلى النفس، بل استخدم أيضًا خياله والتراث الشعبي والتفاوتات الطبقية ليغزل منها مقطوعة بديعة من قصائد المسحراتي التي صدرت في مجلد كامل بهيئة قصور الثقافة قبل سنوات، فنراه يقول:
"يا حضرة الباشا فاكر ياما سحرتك ... ودمع عيني في عزّ الليل مسح حارتك
وكنت أقول لك تخللي قطفة لك وقطفة لي ... وربنا يخللي أطفالك وأطفالي
ولا كنت بتصلي يا باشا ولا بتصوم .... غير كل حبة على السبحة تقول مخصوم".

وكأنه يعيدنا إلى زمن البشوات والخدم، زمن السادة والعبيد، في نقد اجتماعي حاد لما يمكن أن نسميه التفاوت الطبقي الذي لا يخلو من مظلومية عبر التاريخ المصري الحديث، ولا شك أن مقطوعة كهذه تحمل إسقاطات على زمن فؤاد حداد الذي كان قد تجاوز زمن البشوات بفترة لا بأس بها.

المسحراتي الذي قدمه فؤاد حداد ليس شخصية بسيطة أو عادية أو موسمية، بل استخدم تلك الشخصية الرئيسية في ليل رمضان ليصنع منها أمثولة تعبر عن ضمير الوطن وقضاياه المختلفة، وما أحوجنا لاستعادة مثل هذه الأشعار بكل ما تحمله من معانٍ دقيقة ورؤى فنية بديعة وأفكار رصينة جادة، تشير إلى الجراح وتصف الدواء وتتعشم في الشفاء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء