رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«يقين الطاقة» يحرر سيولة البنوك لدعم النمو الصناعي في 2026

مصنع في مصر
مصنع في مصر

أكد الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، أمس الخميس، أن الوزارة لا تدرس في الوقت الراهن أي تحريك لأسعار الكهرباء، مشدداً على أن صيف 2026 سيشهد استقراراً كاملاً في التغذية الكهربائية دون اللجوء إلى تخفيف الأحمال أو انقطاعات مبرمجة للتيار.

وأوضح الوزير أن هذا الالتزام يستند إلى استعدادات مبكرة لتأمين احتياجات الشبكة القومية من الوقود والطاقة، إلى جانب تعزيز كفاءة التشغيل ورفع جاهزية محطات الإنتاج، في وقت تتزايد فيه أهمية استقرار قطاع الطاقة كأحد أعمدة الثقة في الاقتصاد الكلي.

خلفية اقتصادية وضغوط تمويلية

يأتي هذا التأكيد في ظل نقاشات سابقة حول احتمالات تحريك أسعار الكهرباء ضمن خطط معالجة المديونية المتراكمة على القطاع، والتي تجاوزت 800 مليار جنيه بنهاية 2025 وفق تقديرات متداولة، كما تزامن ذلك مع تقارير أشارت إلى دراسة مراجعة هيكل الأسعار خلال الربع الأول من 2026.

غير أن التوجه الحالي يعكس أولوية الحفاظ على الاستقرار السعري ودعم النشاط الإنتاجي، خاصة في ظل ترتيبات طويلة الأجل لتأمين إمدادات الغاز الطبيعي، بما يقلل مخاطر نقص الوقود أو تكرار سيناريوهات تخفيف الأحمال التي شهدتها فترات سابقة.

وزير الكهرباء في زيارة لأحد المصانع
وزير الكهرباء في زيارة لأحد المصانع

استقرار الطاقة.. ركيزة للتمويل الصناعي

استقرار إمدادات الكهرباء يمثل عاملاً حاسماً في تقييم المخاطر الائتمانية للقطاع الصناعي، خصوصاً الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل المعادن والأسمدة والأسمنت.

ووفقاً لتقرير صادر عن Fitch Solutions، فإن تحسن استقرار الطاقة يدعم نمو الصناعات التصديرية ويعزز قدرة مصر على تحسين وضعها الخارجي تدريجياً اعتباراً من 2027، مع تأثير إيجابي محدود خلال 2026 مدفوعاً بشحنات الغاز المسال الجديدة.

في المقابل، كانت فترات انقطاع التيار في سنوات سابقة قد أدت إلى خسائر إنتاجية قُدرت بنحو 15–20% في بعض القطاعات، ما انعكس سلباً على تكاليف التشغيل والتعاقدات التصديرية، وبالتالي، فإن استقرار الكهرباء يقلص مخاطر التمويل ويعزز شهية البنوك للإقراض طويل الأجل.

لغة الأرقام: قطاع الكهرباء كقاطرة للنمو

وفقاً لتقرير أداء الاقتصاد المصري للربع الثاني (2025/2026)، سجل قطاع الكهرباء نمواً بنسبة 5.6%، والذي لم يكن معزولاً، بل جاء متزامناً مع نجاح الدولة في سداد جزء كبير من مستحقات الشركاء الأجانب وتكثيف برامج الحفر والاستكشاف، مما أدى لزيادة الإنتاج وتوفير الطاقة اللازمة للمصانع.

ليسمح الاستقرار في الطاقة، لقطاع الصناعة غير البترولية بتحقيق نمو بنسبة 9.6%، مساهماً بمفرده بنحو 1.2 نقطة مئوية من إجمالي نمو الناتج المحلي.

استراتيجية البنوك.. من "التحوط" إلى "التوسع"

أشار التقرير المالي إلى نمو قطاع البنوك بنسبة 10.7% وقطاع التأمين بنسبة 12.8%. ويرى محللون ماليون أن تأكيد الوزير "بعدم انقطاع التيار" أزال "عنصر المخاطرة" الأكبر الذي كان يواجهه مديرو الائتمان عند دراسة تمويل المصانع.

عنصر هام أيضًا، يبرز في هذا السياق وهو ثبات التكلفة، حيث عدم تحريك الأسعار يعني استقرار بند تكاليف التشغيل في دراسات الجدوى، مما يجعل التدفقات النقدية للمصانع أكثر قابلية للتنبؤ.

 

الجدارة الائتمانية وإعادة تقييم مخاطر الائتمان

يضمن انتظام التيار تشغيل خطوط الإنتاج بكامل طاقتها، مما يقلل من احتمالات تعثر المصانع في سداد القروض، وهو ما شجع البنوك على التوسع في "الشمول المالي" والخدمات المصرفية للقطاع الصناعي.

وكشفت مصادر مصرفية مسؤولة، لـ إيجبتك، أن لجان الائتمان والمخاطر في عدد من البنوك بدأت مراجعة شاملة لملفات المخاطر التشغيلية لعملائها في القطاع الصناعي، وذلك عقب تأكيدات وزير الكهرباء بعدم تحريك أسعار الكهرباء وضمان استدامة التيار خلال صيف 2026.

وتأتي هذه الخطوة في إطار إعادة تقييم الجدارة الائتمانية للمصانع، استنادًا إلى متغيرات جديدة تتعلق باستقرار تكلفة الطاقة وتراجع احتمالات انقطاع التيار، وهي عوامل كانت تمثل عنصر ضغط رئيسي على سلاسل الإمداد والقدرة التشغيلية خلال الفترات الماضية.

البنوك في مصر
البنوك في مصر

ركائز النمو المستدام وصيف 2026

يعطي التنسيق بين وزارتي الكهرباء والبترول لتأمين الوقود، والذي انعكس في انحسار انكماش نشاطي البترول والغاز، الضوء الأخضر للبنوك لتمويل صفقات استيراد خطوط إنتاج وتوسعات رأسمالية طويلة الأجل، فالمصانع التي كانت تعمل بنظام المناوبات المتقطعة بسبب تخفيف الأحمال سابقاً، أصبحت الآن تطلب تمويلات لرفع طاقتها الإنتاجية بنسبة 100%، مستفيدة من نمو قطاع النقل والتخزين بنسبة 6.4% لتصريف إنتاجها.

السياسة النقدية وتكلفة التمويل

يتزامن ذلك مع توجه نقدي أكثر دعماً للنشاط الإنتاجي، بعد خفض أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس في أول اجتماعات العام، لتسجل نحو 19% للإيداع. هذا التحرك يخفف تكلفة الاقتراض على الشركات، ويُحسن دراسات الجدوى للمشروعات الصناعية والزراعية.

ويرى مصرفيون تحدث معهم إيجبتك، أن التمويل الإنتاجي سيحظى بأولوية أكبر خلال 2026، مقارنة بالتمويل الاستهلاكي، باعتباره أكثر استدامة في دعم النمو وخلق فرص العمل وزيادة الصادرات.

توجهات البنوك وخطط الدولة الصناعية

تعمل البنوك الحكومية الكبرى على إعادة توجيه محافظها الائتمانية نحو القطاعات الإنتاجية، مع تركيز واضح على الشركات ذات الملاءة المالية المرتفعة، في حين تعتمد الشركات الصغيرة والمتوسطة بدرجة أكبر على المبادرات المدعومة.

وتستهدف الخطة الحكومية وصول الناتج الصناعي إلى نحو 2.9 تريليون جنيه خلال العام المالي 2025/2026، مع استثمارات تقدر بنحو 252.8 مليار جنيه في الصناعات التحويلية، يشكل القطاع الخاص نحو 80% منها.

كما تتضمن التحركات الحكومية الآتي:

  • إطلاق 28 صناعة واعدة في مجالات الهندسية والدوائية والغذائية.
  • إعادة تشغيل أكثر من 1400 مصنع متعثر خلال 2025.
  • توفير تمويلات صناعية تجاوزت 270 مليار جنيه خلال العامين الماضيين.
  • إطلاق مبادرة بقيمة 30 مليار جنيه لتمويل شراء الآلات في 7 قطاعات صناعية بعائد 15%، مع حوافز لزيادة المكون المحلي.

تحديات قائمة وفرص هيكلية

رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الطاقة في بعض الأنشطة، ومحدودية الائتمان الموجه للقطاع الخاص، والتي أشار إليها البنك الدولي، حيث لا يتجاوز الائتمان الممنوح للقطاع الخاص نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويرى خبراء أن تجاوز هذه التحديات يتطلب توسيع قاعدة التمويل طويل الأجل، وتحسين إجراءات تخصيص الأراضي الصناعية، وتسريع التحول الرقمي وخفض زمن التراخيص، تعزيز الشفافية واستقرار السياسات.

بيئة أكثر دعماً للنشاط الإنتاجي

وعليه، تمثل  رسالة وزارة الكهرباء بعدم وجود زيادات سعرية أو انقطاعات في صيف 2026 عامل طمأنة مهم للأسواق، ومع تراجع تكلفة التمويل نسبياً، واستمرار المبادرات الصناعية، تتشكل بيئة أكثر دعماً للنشاط الإنتاجي.

يبقى التحدي الأساسي في تحويل هذا الاستقرار إلى نمو صناعي مستدام، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتحقيق طفرة تصديرية تترجم إلى تحسن ملموس في مؤشرات الاقتصاد الكلي خلال الأعوام المقبلة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء