حليف الأمس خصم اليوم.. قصة التوتر بين باكستان وطالبان الأفغانية|تقرير
على مدار عقود طويلة، بدت العلاقة بين باكستان وحركة طالبان الأفغانية وكأنها تحالف راسخ تحكمه المصالح المشتركة والحسابات الإقليمية المعقدة. فقد لعبت إسلام آباد دور محوري
وصل إلى نقطة الانفجار
في دعم نشأة الحركة خلال تسعينيات القرن الماضي، انطلاقا من رؤيتها لتحقيق ما تسميه "العمق الاستراتيجي" في مواجهة الهند، خصمها التقليدي. لكن المشهد تبدل تدريجيا، حتى وصل إلى نقطة الانفجار، حيث تحولت العلاقة من تعاون وثيق إلى مواجهات عسكرية مفتوحة على الحدود، وفقًا إلي ما أشارت إليه وكالة "رويترز".
في أحدث فصول هذا التصعيد، أعلن مسؤولون في كل من إسلام آباد وكابول أن باكستان نفذت غارات جوية ليلية استهدفت مدنا ومواقع رئيسية داخل الأراضي الأفغانية، في خطوة اعتُبرت تصعيد خطير ضمن سلسلة اشتباكات حدودية مستمرة منذ شهور.

مستودعات ذخيرة تابعة لطالبان
وأوضح المسؤولون أن الضربات الجوية والبرية طالت مواقع عسكرية ومقرات ومستودعات ذخيرة تابعة لطالبان في عدة قطاعات حدودية، وذلك ردا على هجوم أفغاني استهدف قوات حرس الحدود الباكستانية.
الجانبان أقرا بسقوط خسائر كبيرة، فيما وصف وزير الدفاع الباكستاني ما يجري بأنه "حرب مفتوحة"، وفق ما نقلته وكالة "رويترز"، في توصيف يعكس حجم التدهور الذي بلغته العلاقة بين الطرفين.

من الترحيب إلى خيبة الأمل
عندما عادت طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021، استقبلت باكستان الحدث بترحيب واضح. بل إن رئيس الوزراء الباكستاني آنذاك، عمران خان، صرح بأن الأفغان "حطموا أغلال العبودية". غير أن التفاؤل الباكستاني لم يدم طويلا، إذ سرعان ما اكتشفت إسلام آباد أن حسابات الواقع تختلف عن رهانات السياسة.
تؤكد باكستان أن قيادة حركة طالبان الباكستانية المسلحة وعدد كبير من مقاتليها يتخذون من الأراضي الأفغانية ملاذًا لهم، كما تتهم كابول بغض الطرف عن مسلحين ينشطون في إقليم بلوشستان جنوب غربي البلاد، ويسعون إلى زعزعة الاستقرار هناك.
اتهام تنفيه باكستان بشدة
وبحسب بيانات "مشروع بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة"، وهو منظمة رصد عالمية، فإن وتيرة العنف تصاعدت بشكل سنوي منذ 2022، مع تزايد هجمات حركة طالبان الباكستانية والمتمردين البلوش.
في المقابل، نفت السلطات الأفغانية مرارا السماح باستخدام أراضيها منصة لشن هجمات ضد باكستان. بل إن طالبان الأفغانية وجهت اتهامات معاكسة لإسلام آباد، مدعية أنها تؤوي عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية، وهو اتهام تنفيه باكستان بشدة.
هدنة هشة وحدود مشتعلة
لم تكن هذه المواجهة الأولى بين الجارتين. ففي أكتوبر الماضي، اندلعت اشتباكات دامية أسفرت عن مقتل عشرات الجنود من الطرفين.
غير أن وساطات إقليمية قادتها كل من تركيا وقطر والسعودية نجحت في التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار. إلا أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلا، مع استمرار الهجمات المسلحة داخل باكستان انطلاقا من الجانب الأفغاني، بحسب الرواية الباكستانية.
وتسببت الاشتباكات المتكررة وإغلاق المعابر الحدودية في تعطيل التجارة وحركة التنقل عبر الحدود الوعرة، ما ألقى بظلال اقتصادية واجتماعية ثقيلة على سكان المناطق الحدودية في البلدين.

شرارة الجولة الأحدث
قبل يوم واحد فقط من موجة الضربات الأخيرة، كشفت مصادر أمنية باكستانية عن امتلاكها "أدلة دامغة" تشير إلى تورط مسلحين يتمركزون في أفغانستان في سلسلة هجمات وتفجيرات انتحارية استهدفت الجيش والشرطة داخل باكستان. وأشارت هذه المصادر إلى سبع هجمات نفذت أو خطط لها منذ أواخر عام 2024، مؤكدة ارتباطها بعناصر تنشط عبر الحدود.
ومن بين تلك العمليات، هجوم وقع في منطقة باجور وأسفر عن مقتل 11 من أفراد الأمن ومدنيين اثنين. ووفق المصادر، نفذ الهجوم مواطن أفغاني، فيما أعلنت حركة طالبان الباكستانية مسؤوليتها عنه.

ما هي حركة طالبان الباكستانية؟
تأسست حركة طالبان الباكستانية عام 2007 من تحالف عدة جماعات مسلحة تنشط في شمال غربي البلاد. ومنذ ذلك الحين، شنت هجمات دامية استهدفت أسواق ومساجد ومطارات وقواعد عسكرية ومراكز شرطة، وسيطرت على مناطق حدودية مع أفغانستان، بل وتمدّدت إلى عمق الأراضي الباكستانية، بما في ذلك وادي سوات.
ومن أبرز هجماتها الاعتداء الذي استهدف عام 2012 الطالبة ملاله يوسفزي، التي تحولت لاحقًا إلى رمز عالمي للنضال من أجل تعليم الفتيات، ونالت جائزة نوبل للسلام بعد عامين من الحادثة.
قاتلت الحركة إلى جانب طالبان الأفغانية ضد القوات التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان، كما وفرت ملاذا لمقاتلين أفغان داخل باكستان.
ورغم أن إسلام آباد شنت عمليات عسكرية متكررة ضدها، وحققت بعض النجاحات، فإن النتائج بقيت محدودة. صحيح أن العملية التي انتهت عام 2016 أدت إلى تراجع ملحوظ في عدد الهجمات، لكن هذا الانخفاض لم يدم طويلًا، إذ عادت وتيرة العنف إلى الارتفاع في السنوات الأخيرة.
ميزان القوة… وماذا بعد؟
يرى محللون أن باكستان قد تمضي قدما في تكثيف عملياتها العسكرية إذا استمرت الهجمات داخل أراضيها، بينما قد ترد كابول بغارات على مواقع حدودية أو بهجمات كرّ وفرّ تستهدف القوات الباكستانية.
من الناحية النظرية، يبدو ميزان القوة العسكرية راجح لصالح باكستان. فعدد مقاتلي طالبان يقدر بنحو 172 ألف عنصر، أي أقل من ثلث قوام الجيش الباكستاني.
وتمتلك طالبان ما لا يقل عن ست طائرات و23 مروحية، إلا أن جاهزيتها غير واضحة، كما تفتقر إلى طائرات مقاتلة أو قوة جوية فعالة.

تمضي المنطقة نحو مرحلة أكثر اضطرابا
في المقابل، تشير بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لعام 2025 إلى أن القوات المسلحة الباكستانية تضم أكثر من 600 ألف جندي في الخدمة، إضافة إلى أكثر من ستة آلاف مركبة قتالية مدرعة، وأكثر من 400 طائرة مقاتلة، فضلًا عن امتلاكها ترسانة نووية.
وبين تاريخ طويل من التحالف ومشهد راهن من الصدام، تقف العلاقة بين باكستان وطالبان الأفغانية عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الوساطات في إعادة ضبط الإيقاع، أو تمضي المنطقة نحو مرحلة أكثر اضطرابا، قد تتجاوز تداعياتها حدود البلدين إلى محيطهما الإقليمي بأكمله.

