بثّت وكالة "فرقان" الذراع الإعلامية لتنظيم داعش، السبت الماضي، تسجيلًا صوتيًا منسوبًا إلى المتحدث باسم التنظيم، أبي حذيفة الأنصاري، تضمّن تصعيدًا لافتًا في الخطاب تجاه الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية. ووصف المتحدث النظام والجيش السوريين بـ"المرتدين العلمانيين"، متوعّدًا بشن هجمات ضدهما، ومحرّضًا أتباع التنظيم على تنفيذها باعتبارها "فرضًا وواجبًا" وفق تعبيره.
كما شبّه مآل القيادة السورية الحالية بنهاية الرئيس السابق بشار الأسد، مشيرًا إلى أن سوريا قد خرجت من سطوة حكم إيران لتدخل سطوة حكم تركي وأمريكي، على حد وصفه.
وتزامن بث التسجيل مع إعلان التنظيم مسؤوليته عن عدد من العمليات التي استهدفت مواقع للجيش السوري خلال الأيام الماضية، في مسعى لإسناد خطابه الإعلامي بتحركات ميدانية تعزز روايته بشأن استعادة زمام المبادرة، ويؤكد هذا أيضًا حديثه عن إفريقيا وهجمات التنظيم فيها.
ونرى أن لهذا التسجيل ولهجمات داعش الأخيرة في سوريا جملة من الدلالات يمكن إجمالها في النقاط التالية:
أولًا: تأكيد الحضور ورفع المعنويات
يسعى التنظيم، من خلال هذا الخطاب التصعيدي، إلى تأكيد استمرارية وجوده وفاعليته داخل الأراضي السورية، خاصة في ظل تقارير بحثية أشارت خلال الفترة الأخيرة إلى تنامي نشاطه في بعض مناطق إفريقيا مقابل تراجع حضوره في معاقله التقليدية في سوريا والعراق. ويهدف هذا الخطاب إلى رفع معنويات عناصره وأنصاره، وإيصال رسالة مفادها أن التنظيم لا يزال قادرًا على التأثير وتنفيذ عمليات نوعية.
ثانيًا: استثمار التحولات الميدانية في الشمال الشرقي
يتقاطع التصعيد الإعلامي مع متغيرات ميدانية تشهدها مناطق شمال شرقي سوريا، لا سيما الانسحاب الأمريكي المتواصل من بعض القواعد، وبينها قاعدة "الشدادي" جنوب الحسكة، وقاعدة "قصرك" التي تُعد من أكبر القواعد الأمريكية في البلاد. ومن شأن هذه التحركات أن تخلق فراغًا أمنيًا مؤقتًا قد يحاول التنظيم استغلاله لإعادة التموضع أو تكثيف عملياته.
كما تأتي هذه التطورات في ظل تسلّم الحكومة السورية إدارة مناطق كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك مخيمات وسجون تضم عناصر من التنظيم، بعد انقطاع طويل عن إدارة تلك الجغرافيا البعيدة عن سيطرة الدولة منذ قرابة خمسة عشر عامًا. وتمثل هذه المناطق تحديًا أمنيًا مزدوجًا، إذ تعد جديدة نسبيًا على مؤسسات الدولة، فيما يمتلك عناصر التنظيم خبرة سابقة بطبيعتها الجغرافية والاجتماعية، وهو ما قد يمنحهم هامش حركة أكبر في المرحلة الانتقالية.
ثالثًا: توظيف المناخ الإقليمي والدولي المتوتر
لا ينفصل هذا التصعيد عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، حيث تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مؤشرات على تعزيزات عسكرية أمريكية، وتصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن منع طهران من امتلاك سلاح نووي، إلى جانب مفاوضات تُعقد في جنيف حول البرنامج النووي الإيراني. وترافق ذلك مع إخلاء الولايات المتحدة بعض قواعدها المحتمل قصفها من إيران وتصاعد الحرب الإعلامية والنفسية التي صعدتها المخابرات الأمريكية عبر وسائل التواصل لخفض الروح المعنوية لدى الإيرانيين وتأهيل شعوب المنطقة لاحتمالية الحرب.
في هذا المناخ المشحون، الذي يضع المنطقة أمام احتمالات مفتوحة، يسعى التنظيم إلى استثمار حالة الترقب والاضطراب عبر تكثيف نشاطه الإعلامي وتبنّي عمليات فردية شهدتها الساحة السورية خلال الأسبوع الماضي، في محاولة لفرض نفسه كفاعل مستفيد من أي تصدع أمني أو انشغال دولي بملفات كبرى.
رابعًا: محاولة تكريس صورة القدرة على الاستهداف
يأتي بثّ هذا التسجيل بعد نحو شهرين من تأكيد أممي أفاد بأن الرئيس السوري ووزيري الخارجية والداخلية كانوا أهدافًا لمحاولات اغتيال من قبل تنظيم داعش خلال عام 2025. ويعكس استدعاء هذه المعطيات في الخطاب الأخير محاولة لترسيخ صورة التنظيم بوصفه قادرًا على الوصول إلى مستويات قيادية في الدولة.
كما يوظف التسجيل هذه الإشارة في إطار تصعيدي، من خلال التأكيد على أن نهاية الرئيس السوري الحالي، لن تختلف عن نهاية الرئيس السابق بشار الأسد، في مسعى لتعزيز الرسائل التهديدية وبث حالة من الضغط النفسي والسياسي.
في المحصلة، يعكس التسجيل الصوتي محاولة واضحة لإعادة تقديم التنظيم باعتباره لاعبًا حاضرًا في المعادلة السورية، مستندًا إلى خطاب تعبوي حاد، ومتكيّفًا مع التحولات المحلية والإقليمية، في بيئة لا تزال تعاني من هشاشة أمنية وسيولة سياسية.