رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جولات جنيف: هل نجحت إيران في خديعة واشنطن عبر بوابة المفاوضات؟

مفاوضات جنيف بين
مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن

انتهت جولة المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف دون التوصل إلى اتفاق بين الجانبين، وفي هذا الصدد أعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن الجولة الثالثة من المباحثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، التي عُقدت في جنيف في 26 فبراير، انتهت بتحقيق تقدم مهم، إلا أنه لم يُشر إلى طبيعة التقدم الملموس الذي تحقق خلال المفاوضات.

أعلن البوسعيدي أنه من المنتظر عقد جولة تفاوضية أخرى في العاصمة النمساوية فيينا الأسبوع المقبل، سيتم فيها تناول العديد من النقاط التقنية الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، واتفق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره العُماني على تحقق تقدم جيد في المفاوضات.

مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 
مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 

الجولة الرابعة


منذ بدء شهر فبراير 2026 أُجريت ثلاث جولات تفاوضية غير مباشرة بين واشنطن وطهران بوساطة عُمانية، حيث عُقدت الجولة الأولى في مسقط، ولحقتها جولتان في جنيف، ومن المفترض أن تستضيف فيينا الجولة الرابعة من المفاوضات خلال الأسبوع المقبل.

وعلى عكس حالة التفاؤل التي بدا عليها وزيرا خارجية إيران وسلطنة عُمان، لم يكن مبعوثا البيت الأبيض الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر متفائلين، حيث عبّرا عن خيبة أملهما مما سمعاه من المفاوضين الإيرانيين خلال الجلسة الصباحية من المفاوضات التي جرت في 26 فبراير.

من نتائج الجولات التفاوضية الماضية يبدو أننا أمام جولات مطولة ومعقدة من المفاوضات بين الجانبين، وهنا يدور تساؤل: هل نجحت طهران في خديعة واشنطن وتجنب توجيه ضربة عسكرية قاصمة ضد النظام الإيراني؟ فمعظم الشواهد تدل على أن طهران تحاول إبطاء المفاوضات مع الجانب الأمريكي واكتساب المزيد من الوقت، وللإجابة على التساؤل السابق يجب التطرق إلى النقاط التالية:

أولًا: فقدان الحجة


بعد حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025 بين طهران وتل أبيب، تعالت الأصوات في واشنطن وتل أبيب بضرورة توجيه ضربة عسكرية أخرى قاصمة للنظام الإيراني، وتحقيق الاستفادة القصوى من حالة الضعف التي بدا عليها النظام الإيراني مؤخرًا، وبالفعل اشتغلت المخابرات الأمريكية والإسرائيلية على افتعال احتجاجات ومظاهرات داخلية في إيران تطالب بإسقاط نظام الولي الفقيه، وتطالب بتدخل أمريكي في إيران على غرار التدخل الأمريكي في فنزويلا.

مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 
مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 

بدأت الاحتجاجات في نهاية ديسمبر 2025 ومطلع يناير 2026، ومن هنا تلقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخيط والمبرر لتوجيه ضربة عسكرية ضد النظام الإيراني، حيث خرج الرئيس الأمريكي بتصريح مفاده تهديد النظام الإيراني بالتدخل عسكريًا في حال إقدام قوات الباسيج والحرس الثوري على قمع التظاهرات، وبالفعل تم تحديد يوم 16 يناير الماضي كموعد للضربة الأمريكية وفق تحليلات العديد من المراقبين للأحداث، إلا أنه في اللحظة الأخيرة تراجعت واشنطن عن خيارها العسكري، معطية الفرصة أمام المفاوضات للتوصل إلى اتفاق شامل مع إيران يضمن العديد من النقاط مثل البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والأذرع الإيرانية في المنطقة مثل حماس وحزب الله وجماعة الحوثي في اليمن.

مع استمرار التحشد العسكري في الخليج العربي والبحر المتوسط، واستطالة المفاوضات بين الطرفين، وجدت واشنطن نفسها في حالة حرج، حيث فوّتت على نفسها المبرر لضرب إيران خلال منتصف يناير الماضي، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال خطاب حالة الاتحاد مؤخرًا إلى تمرير مبرر آخر، وهو قيام إيران بتصنيع صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة.

مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 
مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 

ثانيًا: جدوى الحشود العسكرية


باتت الحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة مثيرة للقلق والتساؤل حول الجدوى من ذلك الحشد العسكري، فعلى مدار الأسابيع الماضية شهدت القواعد العسكرية الأمريكية في الأردن والعديد من الدول العربية تكدسًا بالطائرات المقاتلة، فيما استقبلت إسرائيل مؤخرًا سربًا من طائرات إف-22 رابتور، وهي من أعلى الطائرات الأمريكية تطورًا، فضلًا عن نشر قاذفات الطائرات الاستراتيجية B2 سبيريت، هذا فضلًا عن نشر حاملتي طائرات في المنطقة، فكل هذا الحشد يشير بوضوح إلى عزم أمريكي على توجيه ضربة عسكرية إلى النظام الإيراني، لكن استطالة أمد المفاوضات بين الجانبين تعني استمرار حالة الحشد العسكري، وهو الأمر الذي يفتح تساؤلًا حول كلفة هذا الحشد العسكري، كما يفتح تساؤلًا آخر حول من سيتحمل خسائر الحشد العسكري في حال التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.

ثالثًا: سياسة صانع السجاد الإيراني


تشتهر إيران بصناعة السجاد اليدوي، والذي يتطلب مهارة فائقة من صانعيه وصبرًا طويلًا، إذ قد يستمر الصانع الماهر سنوات طوالًا في سبيل إنتاج سجادة واحدة، ويبدو أن مهارة صناعة السجاد الإيراني انتقلت إلى المفاوضين الإيرانيين، الذين غالبًا ما يعتمدون على عنصر الوقت والصبر خلال المفاوضات من أجل التوصل إلى أفضل الخيارات بالنسبة لإيران.

مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 
مفاوضات جنيف بين طهران وواشنطن 

يبدو أن طهران حاليًا في معركة مع الوقت أكثر من كونها في معركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فنظام الملالي يرغب حاليًا في إطالة أمد المفاوضات لأكبر فترة ممكنة، وتحديدًا فالمسألة متعلقة بشهور قليلة، فمن المفترض إجراء انتخابات الكونجرس الأمريكي في نوفمبر المقبل، وكذلك انتخابات الكنيست في أكتوبر 2026.

وبالتالي تحاول طهران الاقتراب من موعدي الانتخابات في كلا البلدين دون التعرض لأي عمل عسكري، إذ يدرك الجميع أن السياسات الأمريكية والإسرائيلية بصدد التغيير خلال خريف العام الحالي، خاصة في واشنطن، حيث يشحذ الحزب الديمقراطي أدواته السياسية لتحقيق الأغلبية خلال الانتخابات المقبلة من أجل عرقلة طموحات ترامب وفتح الملفات القديمة، والتي قد تطيح به من سدة الرئاسة في البلاد.

وأخيرًا، يمكن القول إن الولايات المتحدة باتت في وضع محرج للغاية، حيث نجحت طهران في جر واشنطن إلى ملعبها، وهو المفاوضات طويلة الأجل التي تتميز بالتقدم البسيط البطيء الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع، لذا قد تحاول واشنطن خلال الأيام المقبلة توجيه ضربة عسكرية محدودة لحفظ ماء الوجه، لكنها لن تحقق هدفها الرئيس، وهو إسقاط نظام الولي الفقيه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء