محمد الباز: لا أُصدر فتوى شرعية وأدعو إلى نقاش اجتهادي جاد
أكد الإعلامي محمد الباز، رئيس مجلسي إدارة وتحرير جريدة جريدة الدستور، أن قضية شهادة المرأة مقارنة بالرجل ما زالت تطرح تساؤلات فكرية وفقهية مهمة، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي شهدها المجتمع، والتقدم العلمي والتعليمي الذي وصلت إليه المرأة في العصر الحديث، وأن المسألة لا تتعلق بالتشكيك في النصوص، بل ببحث كيفية تنزيلها على واقع تغيّر جذريًا.
وأشار الباز، خلال حلقة من برنامج «أقول أمتي» عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، إلى أن النص القرآني والحديث النبوي رسّخا في أذهان كثيرين أن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد، غير أن فهم هذا الحكم وتطبيقه ظل محل اجتهاد عبر العصور، وهو ما يفتح الباب لمناقشة علمية رصينة في ضوء معطيات الواقع المعاصر.
بين النص والواقع المتغير
وأوضح محمد الباز، أن النص القرآني الذي ورد في سياق المعاملات المالية جاء في بيئة تاريخية واجتماعية كانت فيها مشاركة المرأة في الأنشطة الاقتصادية محدودة مقارنة بالرجل، وهو ما انعكس على طبيعة الأحكام المرتبطة بالشهادة في هذا المجال لكن الواقع اليوم اختلف، إذ أصبحت المرأة شريكًا رئيسيًا في مختلف القطاعات، من الاقتصاد إلى القانون والطب والهندسة.
وأضاف أن التطور التعليمي الهائل الذي حققته المرأة، وحضورها الواسع في مجالات البحث العلمي وصنع القرار، يفرض إعادة النظر في آليات الفهم، لا في ثوابت النص، فالفارق بين الثابت والمتغير يمثل جوهر الاجتهاد الفقهي عبر التاريخ، وهو ما يستدعي نقاشًا هادئًا بعيدًا عن الاستقطاب.
تجربة شخصية تثير التساؤل
واستحضر الباز، موقفًا من حياته الجامعية، حين كانت رئيسة قسمه أستاذة مرموقة تتمتع بقدرة فائقة على التحليل والتفكير، وكانت تشرح لبعض الموظفين موضوعًا علميًا دقيقًا، بينما لم يتمكن بعضهم من استيعاب حديثها.
وقال إنه تساءل آنذاك: هل يعقل أن تكون شهادة هذه الأستاذة نصف شهادة أحد العمال الذين لم يفهموا ما تقوله؟
وأشار إلى أن هذا المثال لا يهدف إلى إصدار حكم فقهي، بل يعكس التحول العميق في مكانة المرأة علميًا ومعرفيًا، ويطرح سؤالًا مشروعًا حول مدى ارتباط بعض الأحكام بظروف زمنية معينة، ومدى قابلية الاجتهاد في ضوء تغيّر تلك الظروف.
دعوة للاجتهاد والنقاش الجاد
وأكد محمد الباز، أنه لا يدّعي إصدار فتوى أو تبني حكم شرعي جديد، وإنما يطرح القضية للنقاش والاجتهاد من قبل المختصين في الفقه وأصوله، معتبرًا أن الاجتهاد باب أصيل في الفكر الإسلامي، وقد كان عبر العصور أداة للتفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية.
واختتم الباز، حديثه بالتأكيد على أن شهادة المرأة اليوم قد تعادل شهادة الرجل وربما تفوقها في بعض الحالات، وفقًا لمعيار الكفاءة والخبرة والمعرفة، وهو طرح يستحق الدراسة المتأنية، فالقضية في جوهرها ليست صراعًا بين رجل وامرأة، بل بحثًا عن تحقيق العدل في ضوء فهم عميق للنصوص ومقاصدها، بما يواكب تطورات العصر ويحفظ في الوقت نفسه قدسية المرجعية الدينية.