الشيخ إبراهيم: بُعث النبي ليُتمم مكارم الأخلاق ويعلّمنا التواضع والتوبة
قال الشيخ إبراهيم رضا، إن رسالة الإسلام قامت في جوهرها على إرساء منظومة أخلاقية متكاملة، يتقدمها خلق التواضع وكثرة التوبة، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، باعتبارها قاعدة بناء الفرد والمجتمع.
وخلال حديثه في برنامج «ساعة رضا»، أوضح أن الأمة لا يمكن أن تستعيد توازنها إلا إذا عادت إلى أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، سلوكًا عمليًا يُترجم في البيت والشارع والعمل، لا مجرد شعارات تُردد.
النبي بين المُلك والعبودية.. اختيار التواضع
توقف الشيخ، عند موقف عظيم يُجسد قمة التواضع النبوي، حين خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا. فجاء اختياره واضحًا: «نبيًا عبدًا»، رافضًا مظاهر الملك والسلطان، ومُفضلًا مقام العبودية الخالصة لله تعالى.
وبيّن أن النبي استحضر في هذا الموقف دعاء نبي الله سليمان عليه السلام: «رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، فآثر مقامًا مختلفًا، قوامه الزهد والرضا، ليُعلم أمته أن العظمة الحقيقية لا تُقاس بالجاه والسلطان، بل بالقرب من الله والتواضع لعباده.
خاتم النبيين.. تواضع رغم المنزلة
ورغم مكانته الرفيعة بوصفه خاتم الأنبياء، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التواضع مع إخوانه من الرسل، حين قال: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة… فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».
كما رفض أن يُفاضل بينه وبين بقية الأنبياء على سبيل التعصب أو التقليل من شأنهم، مؤكدًا وحدة الرسالة والغاية، ومُرسخًا مبدأ الاحترام المتبادل بين رسل الله جميعًا.
«لا تقوموا لي».. تواضع في المسجد والبيت
ومن صور تواضعه، كما أشار الشيخ إبراهيم رضا، أنه كان ينهى الصحابة عن القيام له تعظيمًا، قائلًا: «لا تفعلوا كما تفعل الأعاجم بملوكها»، مؤكدًا أنه عبدٌ لله، لا يسعى إلى مظاهر التمجيد الدنيوي.
وفي بيته، كانت أخلاقه أبلغ من الخطب، فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها أنه كان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، فإذا حضرت الصلاة خرج إليها، وكأنما لا يعرف أهل بيته من شدة انشغاله بربه. هكذا امتزج التواضع بالعمل، والعبادة بالمسؤولية الأسرية.
التوبة منهج حياة لا لحظة عابرة
انتقل الشيخ إلى محور التوبة، مؤكدًا أن الله تعالى أمر المؤمنين جميعًا بالإنابة إليه: «وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون». فالتوبة ليست مرتبطة بذنب كبير فقط، بل هي سلوك دائم يلازم المؤمن في طاعته ومعصيته.
وأوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنه غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يكثر من الاستغفار في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، كما ورد عن الصحابة، في رسالة عملية تؤكد أن العلاقة بالله تقوم على دوام الرجوع إليه.
باب الرحمة المفتوح.. أمل لا ينقطع
شدد الشيخ إبراهيم رضا، على أن باب التوبة مفتوح ما لم تطلع الشمس من مغربها، مستشهدًا بحديث النبي: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل»، في دعوة واضحة لعدم اليأس من رحمة الله.
كما استحضر قوله تعالى: «قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله»، مؤكدًا أن الأمل في المغفرة هو طوق النجاة لكل مذنب، وأن المجتمعات التي تُشجع على التوبة والإصلاح هي مجتمعات قابلة للتجدد والنهوض.