رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

انتهت الجولة الثالثة من المحادثات الأمريكية–الإيرانية في جنيف دون اتفاق، لكن دون انهيار، وتصدرت التغطيات عبارة “الفجوات مستمرة”، وهذا لا يعني جمودًا بقدر ما يعكس انتقال التفاوض من العموميات إلى جوهر الصراع المتعلق بتعريف حدود البرنامج النووي الإيراني وطبيعة النظام الأمني الإقليمي الذي سيحيط به.

في هذه الجولة رفعت واشنطن سقف المطالب، وطالبت بتفكيك أو تدمير المواقع الرئيسية في فوردو ونطنز وأصفهان، ونقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، وهي الكمية التي قدرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بـ ٤٠٨ كجم، وضمان اتفاق دائم غير محدد المدة. هذه المقاربة تعكس رغبة الولايات المتحدة في إغلاق الملف بشكل نهائي بدل إدارته. في المقابل، رفضت طهران مبدأ “صفر تخصيب” أو تفكيك منشآتها، وتمسكت بحقها في التخصيب بوصفه حقًا سياديًا وتقنيًا لإيران، لكنها عرضت مقترح خفض نسبة التخصيب إلى 1.5% بدل 60%، أو تعليق التخصيب لسنوات، أو إنشاء “ائتلاف عربي–إيراني” داخل إيران لإدارة النشاط الحساس، ما يكشف استراتيجية إيرانية قائمة على تخفيض المخاطر دون التخلي عن البنية التحتية النووية، أي الحفاظ على القدرة الموجودة مع تقليل مستوى التهديد المباشر.

رئاسة عباس عراقجي للوفد الإيراني، مع وجود ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في الوفد الأمريكي، ووساطة بدر البوسعيدي وزير الخارجية العماني، ومشاركة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي، يؤكد أن المفاوضات، كما تبدو، تسير في عدة مستويات: دبلوماسي بين واشنطن وطهران، وفني عبر خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا لضبط قضايا التخصيب والرقابة، ثم المسار السياسي الذي يُفترض أن يترجم التفاهمات إلى اتفاق رسمي.

غير أن جوهر الأزمة يتجاوز أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب، فداخل واشنطن، ثمة انقسام بين من يفضّل اتفاقًا نوويًا فقط باعتباره أولوية ملحّة، ومن يدفع نحو صفقة شاملة تشمل البرنامج الصاروخي ودعم طهران لوكلائها الإقليميين.

من منظور واقعي، لا تتحرك الإدارة الأمريكية بدافع قانوني أو أخلاقي بقدر ما تتحرك بحسابات القوة والردع. فالخشية الأمريكية لا تتعلق فقط بمستويات التخصيب، بل بإمكانية تطوير صواريخ بعيدة المدى تغير معادلة الأمن الاستراتيجي، وهو ما تحدث عنه ترامب في خطاب حالة الاتحاد. في المقابل، ترى إيران أن برنامجها الصاروخي جزء من عقيدتها الدفاعية في بيئة تعتبرها معادية ومحاصِرة.

اللافت أن واشنطن تدرس توسيع الإطار التفاوضي ليصبح متعدد الأطراف، بما يضم قوى إقليمية متضررة من سياسات طهران. هذا التوجه يعكس رغبة في توزيع أعباء الضغط والتفاوض. غير أن توسيع الطاولة قد يضاعف التعقيد ويؤخر الحسم.

وفي الخلفية، تلعب إسرائيل الدور الأكثر تأثيرًا على الإدارة الأمريكية، محذّرة من أن أي تسوية لا تتضمن تفكيكًا للقدرات الإيرانية ستُبقي الخطر قائمًا. هذا الضغط يضع واشنطن بين خيارين: الاستمرار في المسار الدبلوماسي رغم التحفظات الإسرائيلية، أو تبني مقاربة تصعيدية تعيد المنطقة إلى حافة المواجهة.

إلا أن عنصرًا بالغ الأهمية يجب تناوله في هذا المشهد، وهو مسألة الجاهزية العسكرية الأمريكية. فالولايات المتحدة، بعد سنوات من الانخراط في أزمات ممتدة من أوكرانيا إلى إسرائيل (حرب غزة) والشرق الأوسط، تعاني من ضغوط لوجستية وتحديات في سلاسل الإمداد الدفاعي، إضافة إلى إرهاق استراتيجي ناتج عن تعدد الجبهات. فالتقارير الداخلية المتداولة في دوائر صنع القرار تشير إلى فجوات في الجاهزية القتالية لبعض الوحدات، ونقص في الذخائر النوعية، وتأخر في برامج التحديث. وفي هذا السياق جاءت إقالة رئيس هيئة الأركان العامة الأمريكية كإشارة إلى مراجعة داخلية لأداء المؤسسة العسكرية وإعادة ضبط أولوياتها، سواء لأسباب تتعلق بالجاهزية أو بإدارة التهديدات المتزامنة.

هذا العامل يقلل من احتمالية اللجوء إلى خيار عسكري واسع النطاق ضد إيران في المدى المنظور، ويعزز فرضية أن واشنطن – حتى لو لوّحت بالقوة – تفضّل اختبار المسار التفاوضي حتى نهايته. فالحرب، وفق الحسابات الواقعية، ليست قرارًا عاطفيًا بل تقديرًا للتكلفة والعائد. وأي مواجهة مباشرة مع إيران قد تفتح مسارًا تصعيديًا إقليميًا واسعًا يصعب احتواؤه.

في المقابل، تدرك طهران أن استمرار العقوبات يثقل اقتصادها ويحد من قدرتها على المناورة. ومن ثم فهي أمام معادلة دقيقة، تريد تقديم تنازلات محسوبة تضمن رفعًا تدريجيًا للعقوبات، دون المساس بجوهر منظومتها الردعية أو بصورة النظام داخليًا.

هنا يمكن القول إن واشنطن تفاوض من موقع قوة، لكنها تدرك أن الخيار العسكري مكلف في بيئة دولية مزدحمة بالأزمات. وطهران تفاوض من موقع ضغط اقتصادي، لكنها تمتلك أوراقًا تقنية وزمنية تجعل الاحتواء أفضل من المواجهة بالنسبة لخصومها.

السيناريو الأقرب ليس اتفاقًا شاملًا، بل تسوية مرحلية تشمل تجميدًا أو خفضًا للتخصيب مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع تأجيل ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي إلى مسارات لاحقة أو متعددة الأطراف.

جنيف، إذن، ليست محطة حسم بل مرحلة اختبار نوايا؛ فالفجوات حقيقية، لكن استمرار الجولات يعني أن كلفة الانهيار أعلى من كلفة التفاوض، وبين مطلب التفكيك الكامل وحق التخصيب السيادي، يتحدد مستقبل الأمن الإقليمي: إما إدارة صراع مضبوط باتفاق مرحلي، أو عودة تدريجية إلى سياسة الضغط والتصعيد. وفي عالم تحكمه موازين القوى لا النوايا، يبقى الاتفاق الممكن أفضل من المواجهة غير المحسوبة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء