وساطة مسقط.. لماذا اختارت واشنطن عمان لنزع فتيل نووي إيران؟
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والعالمية، برزت سلطنة عمان كلاعب رئيسي في المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
هذا الدور ليس جديداً على السلطنة، التي طالما اعتمدت سياسة الحياد والوساطة لتهدئة النزاعات في المنطقة، ومع ذلك، شهدت الفترة الأخيرة – منذ أبريل 2025 وحتى فبراير 2026 – تكثيفاً لجهودها، مما جعلها محوراً للجولات الدبلوماسية التي قد تحول دون اندلاع صراع أوسع نطاقاً.
علاقات متوازنة مع الجميع

تتمتع سلطنة عمان بعلاقات متوازنة مع كل من إيران والولايات المتحدة، مما يجعلها وسيطاً مثالياً، منذ عهد السلطان قابوس بن سعيد، الذي توفي في 2020، كانت عمان تسهل الحوارات السرية بين الطرفين.
على سبيل المثال، ساهمت في إطلاق سراح مواطنين أمريكيين محتجزين في إيران، وكانت قناة خلفية لمفاوضات الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة، أو JCPOA).
هذه السياسة استمرت تحت قيادة السلطان هيثم بن طارق، الذي يركز على الاستقرار الإقليمي لتعزيز الاقتصاد العماني.
في السياق الحالي، بدأت المفاوضات الجديدة في أبريل 2025، بعد فترة من التوترات العسكرية، بما في ذلك ضربات إسرائيلية على مواقع نووية إيرانية في يونيو 2025، وردود إيرانية محدودة.
الجولة الأولى عقدت في قصر العلم بمسقط، حيث التقى المندوب الأمريكي ستيف ويتكوف مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، عبر وسطاء عمانيين تلتها جولات في روما (19 أبريل 2025) ومسقط مرة أخرى (أواخر أبريل ومايو 2025).
الدور العماني في المفاوضات

في فبراير 2026، استضافت سلطنة عمان جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة في مسقط يوم 6 فبراير، حيث التقى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بشكل منفصل مع عراقجي وويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وصف البوسعيدي المحادثات بأنها "جادة للغاية"، مع تقدم ملحوظ في مناقشة البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك تجميد تخصيب اليورانيوم مقابل تخفيف بعض العقوبات.
تلتها جولة في جنيف يوم 17 فبراير، حيث نقلت عمان مقترحات إيران إلى الجانب الأمريكي، مما أدى إلى "تقدم كبير" وفقاً للبوسعيدي.
ومن المقرر جولة ثالثة في جنيف يوم 26 فبراير، مع احتمال استمرار الدور العماني.
حياد عمان
يعتمد الدور العماني على نقل الرسائل بين الطرفين، تجنباً للتواصل المباشر الذي يرفضه الإيرانيون في بعض الحالات. كما ساهمت عمان في تغيير موقع المحادثات من إسطنبول إلى مسقط بناءً على طلب إيران، للتركيز على القضايا النووية دون توسيع النقاش إلى الصواريخ الباليستية أو الدعم الإيراني للجماعات المسلحة.
هذا النهج يعكس ثقة الطرفين في حياد عمان، التي شاركت أيضاً في مناورات عسكرية مشتركة مع إيران في ديسمبر 2025، بما في ذلك تمارين مكافحة الإرهاب مع منظمة شنغهاي للتعاون.
لماذا قبلت واشنطن بدور عمان؟
قبول إدارة ترامب بدور عمان يأتي في سياق استراتيجية "الضغط الأقصى" المستمرة، قبلت واشنطن تغيير الموقع إلى عمان لأنها تثق في السلطنة كشريك موثوق، لكنه يعكس أيضاً رغبة في تجنب التصعيد العسكري.
منذ بداية ولاية ترامب الثانية، بنت الولايات المتحدة أكبر تجمع عسكري جوي في الشرق الأوسط منذ 2003، بما في ذلك إسقاط طائرة إيرانية بدون طيار في 3 فبراير 2026.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن الضغط العسكري يهدف إلى تعزيز الموقف التفاوضي، لا إلى الحرب، خاصة مع مخاطر التصعيد الذي قد يؤثر على أسعار النفط العالمية ويضر بحملة ترامب السياسية ، كما أنها تسمح بتركيز المحادثات على النووي، مع إمكانية توسيعها لاحقاً إلى قضايا أخرى مثل الحد من مدى الصواريخ الإيرانية ووقف نقلها إلى حلفاء مثل الحوثيين.
مرونة إيرانية كبيرة
كما أن الوسطاء الآخرون مثل قطر وتركيا ومصر انضموا إلى الجهود، لكن عمان تبقى الرابط الرئيسي بفضل موقعها الجغرافي وقربها من مضيق هرمز.
وفقاً لتقارير، عرضت إيران "خطة أولية" لإدارة الوضع الحالي، مقابل رفع جزئي للعقوبات، مما يشير إلى مرونة إيرانية تحت الضغط.
تواجه المفاوضات عقبات، مثل رفض إيران مناقشة برنامجها الصاروخي أو دعمها للجماعات الإقليمية، مقابل مطالب أمريكية بتوسيع النقاش.
كما أن الاحتجاجات الداخلية في إيران والضغوط الإسرائيلية تضيف تعقيداً، ومع ذلك، يؤكد الوسيط العماني على "انفتاح غير مسبوق" على أفكار جديدة، مما يعزز الأمل في اتفاق مؤقت يجمّد التخصيب مقابل تخفيف العقوبات، مع مفاوضات طويلة الأمد.
في النهاية، يبرز دور عمان كدليل على أن الدبلوماسية الهادئة يمكن أن تكون أقوى من التهديدات العسكرية. مع اقتراب الجولة الثالثة، قد تكون هذه المفاوضات خطوة نحو استقرار الشرق الأوسط، أو مجرد تأجيل للتصعيد