التحالفات البديلة في جنوب آسيا: قراءة في أبعاد زيارة مودي لإسرائيل
ما زالت الأنظار تترقب ما ستؤول إليه جلسة المفاوضات المرتقبة، الخميس 26 فبراير 2026، في جنيف بين الولايات المتحدة وإيران، حيث من المحتمل أن يقدم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العديد من التطمينات للجانب الأمريكي فيما يخص البرنامج النووي الإيراني. وسبقت جولة المفاوضات الأخيرة تصريحات إيرانية مفادها أنه تم تقليص مدى الصواريخ الإيرانية ليصل إلى ألفي كيلومتر، وذلك من أجل حماية إيران من الاعتداءات الأخيرة.
وعلى جانب موازٍ، بدأت إسرائيل تعبيد تحالفاتها الاستراتيجية في وسط وجنوب آسيا تحسبًا لاحتمال فشل المفاوضات واندلاع الحرب في أقرب وقت، إذ عززت تحالفها مع دولة الهند، الجارة القريبة من إيران، وذلك خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي إلى إسرائيل يوم الأربعاء 25 فبراير 2026.

دلالات الزيارة
حملت زيارة ناريندرا مودي إلى إسرائيل العديد من الدلالات التاريخية والرمزية؛ فهي الزيارة الرسمية الأولى منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر، والثانية له منذ توليه السلطة، حيث سبق له أن زار تل أبيب في يوليو 2017.
حظيت زيارة مودي باحتفاء واسع في الأوساط الإسرائيلية، إذ سُمح له بإلقاء خطاب في الكنيست، لينضم إلى نادي الزعماء العالميين الذين كان لهم خطابات في الكنيست، مثل الرئيس المصري الراحل أنور السادات، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي. وعقب خطابه في الكنيست، تقلد مودي أرفع وسام فيها، ليكون أول زعيم يتقلد هذا الوسام التكريمي، حيث تقدم أمير أوحانا، رئيس الكنيست، بتقديم الوسام لرئيس الوزراء الهندي.
الأزمات الداخلية
لم تغب الخلافات السياسية الداخلية الإسرائيلية عن زيارة المسؤول الهندي للبلاد، حيث ما زالت أزمة الخلافات بين السلطة القضائية والائتلاف الحاكم مستمرة وتلقي بظلالها على جلسات الكنيست، إذ دائمًا ما يتجاهل أمير أوحانا، رئيس الكنيست، دعوة رئيس المحكمة العليا يتسحاق أميت إلى الجلسات التاريخية، حيث سبق أن تم تجاهل دعوة أميت إلى خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكتوبر الماضي، وأخيرًا تم تجاهل دعوته خلال خطاب مودي الأخير أمام الكنيست.

ردًا على تجاهل رئيس المحكمة العليا، لجأت الأحزاب المعارضة في الكنيست إلى تنفيذ خطوة تصعيدية تجاه الحكومة والائتلاف الحاكم الذي ينتمي إليه أمير أوحانا، وهي الانسحاب من الجلسة الأخيرة التي حضرها رئيس الوزراء الهندي مودي. ففي أثناء خطاب نتنياهو، قام أعضاء حزبي يش عتيد وإسرائيل بيتنا بالانسحاب من الجلسة، مما تسبب في إحداث فوضى وارتباك فيها، إلا أن هؤلاء النواب المنسحبين سرعان ما عادوا خلال خطاب ناريندرا مودي، حيث صرح رئيس المعارضة يائير لابيد أن هذا التصرف لا يخص مودي، بل اعتراضًا على بعض السياسات الحكومية الداخلية، وكأنها محاولة لتصدير الإحراج إلى الائتلاف القائم الذي لا يعترف بالمحكمة العليا الإسرائيلية ولا بقراراتها.
احتفاء تاريخي
حظيت زيارة مودي إلى إسرائيل باحتفاء تاريخي في الكنيست الإسرائيلي، فمودي يعد من الزعماء القلائل على مستوى العالم الذين تمكنوا من إلقاء خطاب من على منصة الكنيست الإسرائيلية، فلم يسبقه سوى الرئيس المصري الراحل أنور السادات، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي.

كما حرص أمير أوحانا، رئيس الكنيست، على تكريم مودي بإعطائه أرفع وسام تكريمي يمنحه الكنيست، ليكون بذلك أول زعيم هندي يتلقى هذا التكريم، وهو ما يدل على عمق العلاقات والارتباط بين البلدين خلال الفترة الأخيرة. ففي خلال خطابه، أثنى نتنياهو على الدور الهندي، وأن نيودلهي ساهمت في مضاعفة حجم التجارة الخارجية الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، مما يعني أن الهند ساهمت في كسر الحصار التجاري على إسرائيل الذي فُرض عليها في أعقاب المجازر التي تحققت في قطاع غزة.
تعميق العلاقات
حرص خطاب مودي أمام الكنيست على إظهار عمق العلاقات بين البلدين، ففي البداية حرص على إدانة حركة حماس وعملية طوفان الأقصى التي تمت في 7 أكتوبر، مبديًا تعازيه للضحايا الإسرائيليين خلال العامين الماضيين، ومؤكدًا وقوف نيودلهي خلف إسرائيل بكل حزم وقناعة، وتأييدها لكافة الإجراءات التي من شأنها مكافحة الإرهاب والقضاء على جميع فصائل المقاومة الفلسطينية.
كما تم الإعلان عن تشكيل لجنة برلمانية مشتركة لتعزيز التعاون والعلاقات الثنائية بين البلدين، والتي تهدف إلى توسيع التجارة والاستثمار بينهما. وفي سبيل محاولة الربط التاريخي بين البلدين، ادعى مودي أن الهند وإسرائيل تمتلكان حضارتين عريقتين للغاية. وفي هذا الإطار، حاول التقرب من السردية السياسية التاريخية الإسرائيلية التي عادة ما تصف إسرائيل بأنها الواحة الديمقراطية في وسط استبدادي، وحاول الربط بين التجربة الديمقراطية الحزبية الإسرائيلية ونظيرتها الهندية.

حاول مودي خلال خطابه الأخير تحقيق الاستعلاء الهندي الإسرائيلي على باقي دول المنطقة بادعاء ديمقراطية النظامين في كلا البلدين، وأن أعداءهما يتميزون بالتخلف والاستبداد، في إشارة إلى باكستان وإيران، كما أنه من المفترض أن يزور متحف ياد فاشيم من أجل تخليد ذكرى المحرقة.
دلالات الزيارة
تأتي زيارة مودي في وقت حساس للغاية، في ظل ترقب عالمي لما ستؤول إليه الأمور في منطقة الشرق الأوسط بين إيران وأمريكا، لذا تحاول تلك الزيارة تأطير تحالف إقليمي بين الهند وإسرائيل في مواجهة باكستان وإيران. لذا جاءت الزيارة الأخيرة تعزيزًا للنقاط التالية، أبرزها:
أولا: تعزيز التعاون في الحوسبة الكمومية
خلال الزيارة الأخيرة حرص مودي على زيارة معارض تكنولوجية خاصة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والأمن السيبراني، كما أنه من المفترض أن يتم إنشاء مركز مشترك للأمن السيبراني بين البلدين.
ثانيا: تعزيز التعاون الدفاعي
تأتي الزيارة تتويجًا لجهود المفاوضات الدفاعية والعسكرية التي تمت بين البلدين خلال الأيام الماضية، حيث تم التوصل إلى اتفاقية عسكرية بين الطرفين تتراوح قيمتها ما بين 6 و8 مليارات دولار، تهدف إلى حصول الهند على أنظمة الدفاع الجوي «الشعاع الحديدي» ونظام «آرو»، بالإضافة إلى الحصول على ذخائر عالية التوجيه، وبالإضافة إلى أنظمة صواريخ باليستية من شركتي رافائيل وإلبيت سيستمز للصناعات الجوية الإسرائيلية.
وتأتي الصفقة الأخيرة تتويجًا للتعاون العسكري المتبادل، فالهند ما زالت تستحوذ على 34% من مبيعات الأسلحة الإسرائيلية، حيث تعد أكبر مشترٍ للأسلحة الإسرائيلية، وذلك خلال الفترة من عام 2020 وحتى عام 2024، وذلك وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). حيث بلغ إجمالي مبيعات الأسلحة إلى الهند خلال تلك الفترة حوالي 20.5 مليار دولار تقريبًا.

ثالثا: تعزيز الترتيبات الإقليمية
بتنا أمام تحالف إقليمي شطراه نيودلهي وتل أبيب، ومن المحتمل أن يتم تعزيز هذا التحالف الإقليمي في حال اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، وذلك لمحاولة سد الفراغ في منطقة بحر العرب وإيران في حال سقوط النظام الإيراني.
كما تسعى الهند حاليًا إلى تعزيز الطرح الإسرائيلي بضرورة اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، والتي إن اندلعت ستؤثر بالسلب على دول الجوار الإيراني مثل باكستان وأفغانستان، مما سيخلق مساحات فارغة من الناحية الأمنية والسياسية في دول وسط آسيا، الأمر الذي سيؤدي إلى تدخلات هندية مستقبلية لملء الفراغ الإقليمي في تلك المناطق.
ختاما:
زيارة ناريندرا مودي إلى إسرائيل لا يمكن قراءتها بوصفها حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تمثل حلقة ضمن مسار استراتيجي أوسع لإعادة تموضع التحالفات في الإقليم. فالتحرك الإسرائيلي نحو تعميق الشراكة مع نيودلهي يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها احتمالات فشل المسار التفاوضي الأمريكي–الإيراني مع تصاعد التوترات الأمنية في الشرق الأوسط.
كما تعكس الزيارة رغبة متبادلة في تحويل التقارب السياسي إلى شراكات عملية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والأمن السيبراني، والتعاون الدفاعي، بما يعزز من مكانة الطرفين في معادلات القوة الإقليمية والدولية. وفي المقابل، تكشف التفاعلات الداخلية داخل الكنيست أن هذا الانفتاح الخارجي لا ينفصل عن سياق الانقسام السياسي الإسرائيلي، حيث تظل الاعتبارات الداخلية حاضرة حتى في أكثر اللحظات الدبلوماسية احتفاءً.
وعليه، فإن التحالف الهندي الإسرائيلي مرشح لمزيد من التبلور خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا ما شهدت المنطقة تحولات كبرى تتعلق بإيران أو بخرائط التوازن في جنوب آسيا. ومن ثم، تبدو الزيارة خطوة تأسيسية في مسار يتجاوز الرمزية السياسية إلى إعادة صياغة شبكة تحالفات إقليمية قيد التشكل.
- # قطاع غزة
- # دونالد ترامب
- # الولايات المتحدة
- # إسرائيل
- # ترامب
- # باكستان
- # البرنامج النووي الإيراني
- # غزة
- # حماس
- # عباس عراقجي
- # الهند
- # إيران
- # حركة حماس
- # وزير الخارجية الإيراني
- # البرنامج النووي
- # جنيف
- # التجارة والاستثمار
- # ناريندرا مودي
- # الصواريخ الإيرانية
- # وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي
- # رئيس وزراء الهند
- # رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي
- # دولة الهند
- # فصائل المقاومة
- # الولايات المتحدة وإيران