من عمران خان لحكام البلوش..الحرب مع أفغانستان توحد السياسيين في إسلام أباد
في تحول دراماتيكي للعلاقات المتوترة أصلاً بين إسلام آباد وكابل، أطلقت القوات المسلحة الباكستانية عملية عسكرية واسعة النطاق تحت اسم "غضب الحق" (Ghazab lil-Haq)، رداً على ما وصفته الحكومة بـ"الاعتداءات غير المبررة" من جانب حركة طالبان أفغانستان على طول الحدود في إقليم خيبر بختونخوا.
لم يقتصر الرد الباكستاني على الجانب العسكري فحسب، بل تبعه اصطفاف سياسي غير مسبوق، حيث توحدت الحكومة والمعارضة والمؤسسات الدستورية خلف قيادة المشير سيد عاصم منير، قائد الجيش، لإرسال رسالة حاسمة إلى الجارة الغربية، بحسب صحيفة “ديواني” الباكستانية.
الشرارة الميدانية: من الدفاع إلى الهجوم
بدأت الأزمة يوم الخميس عندما فتحت قوات طالبان أفغانستان النار بشكل مكثف وغير مبرر على مواقع حدودية باكستانية متعددة. ولم يتأخر الرد الباكستاني؛ حيث شنت القوات البرية والجوية هجمات ارتدادية استهدفت مراكز انطلاق النيران.
أكدت تقارير حكومية (من بينها تصريح هينا برويز بوت) أن الجيش الباكستاني نجح في السيطرة على موقع عسكري في ولاية باكتيكا الأفغانية المحاذية لقطاع شوال بوزيرستان الجنوبية، بعد فرار عناصر طالبان، وشاركت القوات الجوية الباكستانية في توجيه ضربات دقيقة لمخابئ المسلحين، مما عكس تحولاً في قواعد الاشتباك من "الدفاع السلبي" إلى "الردع الهجومي".
المواقف الرسمية: السيادة فوق كل اعتبار
جاءت تصريحات القيادة العليا لتؤكد أن الصبر الباكستاني قد نفد، حيث حذر الرئيس آصف علي زرداري بلهجة شديدة من أن "أي اعتداء سيواجه برد شامل وحاسم"، مؤكداً أن أحداً لن يكون بعيداً عن متناول القوات الباكستانية إذا حاول المساس بأمن البلاد.
بينما شدد رئيس الوزراء شهباز شريف على أن الجيش الباكستاني يمتلك الإستراتيجيات الدفاعية والتدريب العالي للتعامل مع أي تحدٍ داخلي أو خارجي، معتبراً أن حماية "الوطن الحبيب" لا تقبل المساومة.
وزير الدفاع: اتهامات بـ "التبعية للهند" وتهديد بالحرب
كان تصريح وزير الدفاع، خواجة آصف، هو الأكثر حدة وتفصيلاً؛ حيث وجه اتهامات مباشرة لطالبان بالتحول إلى "وكيل للهند" (Proxy) في المنطقة، متهمًا طالبان بتحويل أفغانستان إلى "مستعمرة هندية" وملاذ للإرهاب العالمي بدلاً من الاهتمام بحقوق الشعب الأفغاني.
ذكر آصف بأن باكستان استضافت 5 ملايين لاجئ أفغاني لنحو نصف قرن، ولا يزال الملايين يعيشون على أرضها، واستخدم عبارة "Dama Dam Mast Qalandar" (وهي تعبير شعبي يوحي ببدء المعركة الكبرى)، معلناً أنها "حرب مفتوحة" وأن الجيش الباكستاني "يعرف مداخل ومخارج أفغانستان جيداً".
وحدة الصف السياسي: المعارضة تدعم الدولة
على الرغم من الاستقطاب السياسي الحاد في باكستان، أبدت المعارضة دعماً كاملاً للعملية العسكرية، مثل حزب PTI (عمران خان)، حيث أكد باريستر غوهر خان أن الحزب يقف مع الجيش في حماية حدود البلاد، مشدداً على أن التهديدات ستواجه بـ"قوة كاملة".
وتبنى نفس الخط حكومات الأقاليم، من مريم نواز في البنجاب إلى سرفراز بكتي في بلوشستان، توحدت الخطابات حول شعار "عاشت باكستان"، مع تأكيدات بكتي على أن "الملاذات الآمنة للإرهابيين داخل أفغانستان لن تُفلت من العقاب".
الأبعاد الجيوسياسية للأزمة
يرى مراقبون أن تسمية العملية بـ "غضب الحق" تشير إلى رغبة باكستان في إنهاء ما تصفه بـ "الابتزاز الحدودي". وتلخصت الرؤية الرسمية في عدة نقاط، وهي التأكيد على أن أفغانستان أصبحت قاعدة لتصدير الإرهابيين وتجميعهم، وإظهار وحدة الجبهة الداخلية الباكستانية تحت قيادة "المشير" عاصم منير، وتوجيه رسالة للقوى الإقليمية بأن باكستان قادرة على حماية حدودها بمفردها.
تجد باكستان نفسها اليوم في حالة "حرب حدودية" معلنة مع جارتها، مدفوعة بإجماع وطني نادر. وبينما تظل أبواب الدبلوماسية مفتوحة نظرياً، إلا أن لغة الميدان هي السائدة حالياً، مع تأكيد إسلام آباد أن "السلام لا يعني الضعف"، وأن العملية العسكرية مستمرة حتى تأمين الحدود بالكامل.