رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل يحل "المايكروبت" محل التراث؟
 

كان يكفي في الماضي أن يضرب "عم منصور" طبلته الخشبية المتهالكة، وينادي بصوته الأجشّ الممتزج ببرودة الفجر: "أصحي يا نايم وحد الدايم"، لتستيقظ الحارة بأكملها. لم يكن صوته مجرد تنبيه لموعد طعام، بل كان "إيقاعاً" يضبط دقات قلوبنا على تردد واحد، اليوم استُبدلت تلك الطبلة بـ "خوارزمية"، والنداء الإنساني بـ "إشعار" (Notification) بارد ينبثق من شاشة زجاجية صماء.


بينما نغرق في المدن الكبرى التي لا تنام، نجد أنفسنا أمام تساؤل يطرحه الحنين وتفرضه الحداثة، هل يقتل الذكاء الاصطناعي "الدفا الإنساني" في رمضان؟ وهل يمكن لرقاقة "مايكروبت" أن تعوضنا عن رائحة الفجر الممزوجة بخطوات المسحراتي؟

 


في المدن الإسمنتية العملاقة، تلاشت ملامح المسحراتي التقليدي، غابت تلك الشخصية التي كانت تعرف أسماء أطفال الزقاق واحداً تلو الآخر، فتنادي "يا محمد.. يا زينب" فيشعر الطفل أنه بطل القصة الرمضانية، اليوم نعتمد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تحلل أنماط نومنا، وتختار لنا نغمة "هادئة" لتوقظنا للسحور بناءً على مستوى الأكسجين في دمنا!

 


التكنولوجيا هنا ليست "شريرة"، لكنها "حيادية" بشكل مخيف، التطبيق لا يعرف أنك تشعر بالوحدة، ولا يعرف أن "اللمة" حول طبلة المسحراتي كانت طقساً يربطنا بالأرض وبالسماء. الذكاء الاصطناعي يقدم لنا "الدقة"، لكن المسحراتي كان يقدم لنا "المعنى".

 


تحول رمضان في المدن الكبرى إلى تجربة رقمية بامتياز، الباعة الجائلون الذين كانوا يملؤون الشوارع بضجيجهم المحبب وصياحهم عن "عرق السوس" و"القطايف"، استُبدلوا بـ "تطبيقات التوصيل" التي تصلك في صمت مطبق، أصبحنا نطلب "روح رمضان" عبر كبسة زر، فنحصل على المنتج، لكننا نفقد "الرحلة".

 


إن الذكاء الاصطناعي الذي ينظم لنا مواعيد السحور، ويقترح علينا قائمة طعام "صحية" بناءً على السعرات الحرارية، يغفل جانباً جوهرياً، رمضان هو شهر "الخروج من النظام" لا "الإغراق فيه"، هو الشهر الذي نكسر فيه رتابة العام، فإذا جاءت التكنولوجيا لتجعل صيامنا "مؤتمتًا" (Automated)، فقدنا تلك العفوية التي تجعل للزمن طعمًا مختلفًا.


يقول النقاد إن التكنولوجيا "تُعلّب" المشاعر. فعندما يرسل لك "بوت" (Bot) رسالة تهنئة منمقة في بداية الشهر، تشعر بالامتنان لعقلك، لكن قلبك يظل بارداً. الدفء الإنساني يكمن في "الجهد"؛ في تعب المسحراتي وهو يقطع الكيلومترات سيراً على الأقدام، وفي بحة صوته التي تنم عن محبة حقيقية لجيرانه.

 

التكنولوجيا تعطينا "الرفاهية"، لكنها تسلبنا "الارتباط". نحن الآن نستيقظ على منبه ذكي، نأكل سحوراً طلبناه عبر تطبيق، ونشاهد صلاة التراويح عبر "البث المباشر". لقد تحولنا من "فاعلين" في الطقس الرمضاني إلى "مستهلكين" له عبر شاشاتنا.

الحنين هنا ليس دعوة للتخلي عن التقدم، فلا أحد ينكر أن تطبيقات الأذان والقرآن سهّلت الكثير، ولكن الخطر يكمن في أن يتحول "المايكروبت" والذكاء الاصطناعي من "أداة مساعدة" إلى "بديل" للهوية.

نحن بحاجة إلى "أنسنه" التكنولوجيا. 

ربما لا يعود المسحراتي بجسده في شوارع ناطحات السحاب، لكن علينا أن نبحث عن بدائل تحفظ ذلك التواصل، بدلاً من الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي، لنجعل من التكنولوجيا جسراً يجمعنا فعلياً، لا جداراً يفصلنا في غرفنا المظلمة خلف هواتفنا.

في نهاية المطاف، سيظل هناك جزء في الروح البشرية لا يمكن لـ "كود برمي" أن يملأه ، الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يخبرك بـ "موعد" السحور بدقة الجزء من الثانية، لكنه لن يستطيع أبداً أن يخبرك بـ "بهجة" السحور.

 

إن المسحراتي لم يكن يوقظنا لنأكل فقط، بل كان يوقظ فينا "الإنسان" الذي يتذكر خالقه ويشعر بجاره. وإذا استمرت التكنولوجيا في قضم أطراف تراثنا، فسنستيقظ يوماً لنجد أننا صائمون عن الطعام، لكننا "مفطرون" على الوحدة الرقمية.


فلنحذر أن يأتي يوم ينادي فيه "روبوت" في شوارعنا الخالية: "يا آلة وحدي الدايم"، بينما نكون نحن قد غرقنا في نوم عميق، ليس نوم الأجساد، بل نوم الأرواح التي فقدت بوصلة "الدفا" واليقين.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء