في ذكرى رحيله.. ثروت عكاشة وبناء منظومة الثقافة الحديثة في مصر
في مثل هذا اليوم، 27 فبراير 2012، رحل عن عالمنا الدكتورثروت عكاشة، أحد أعظم المثقفين التنويريين المصريين، ضابط من الضباط الأحرار، الذي تولى وزارة الثقافة المصرية وأسهم في وضع أسس قوية للحياة الثقافية والفنية في البلاد.
جمع بين الخلفية العسكرية الصارمة والتكوين الأكاديمى العميق والشغف الحقيقى بالفنون، فاستطاع أن يحول الثقافة من نشاط نخبوى محدود التأثير إلى مشروع قومى يستهدف بناء الإنسان المصرى وإعادة تشكيل وعيه الجمالى والوطنى. لذلك ارتبط اسمه بمرحلة تأسيسية لا تزال مؤسساتها قائمة حتى اليوم.

من الميدان العسكرى إلى ساحة التنوير
ولد عكاشة عام 1921 بالقاهرة، وتخرج فى الكلية الحربية، وكان من الضباط الأحرار الذين شاركوا فى ثورة يوليو 1952 بقيادة جمال عبد الناصر، ورغم انتمائه للمؤسسة العسكرية، كان ميوله الفكرية والأدبية واضحة منذ وقت مبكر؛ درس الصحافة، وحصل على الدكتوراه من جامعة السوربون فى فرنسا، وعمل فى السلك الدبلوماسى سفيرًا لمصر فى روما.
هذا المزيج بين الانضباط العسكرى والانفتاح الثقافى الأوروبى منح شخصيته خصوصية نادرة، وجعل اختياره وزيرًا للثقافة خطوة تحمل دلالة تتجاوز مجرد التعيين الإدارى.
عندما عرض عليه المنصب تردد فى البداية، إدراكًا منه لصعوبة المهمة، لكن إصرار عبدالناصر واقتناعه بدوره فى “تمهيد المناخ الثقافى لإعادة صياغة الوجدان الوطنى” دفعه إلى قبول التحدى، لتبدأ واحدة من أهم التجارب الثقافية فى تاريخ مصر الحديث.

تأسيس بنية ثقافية متكاملة
خلال توليه وزارة الثقافة عامى 1958 و1967، أطلق عكاشة مشروعًا مؤسسيًا واسع النطاق، منها إنشاء أكاديمية الفنون بمعاهدها المختلفة، وأسس أوركسترا القاهرة السيمفونى، ودعم إنشاء فرق الأوبرا والباليه، ومسرح العرائس، والسيرك القومى، والفرقة القومية للفنون الشعبية، كما أسس الهيئة العامة للكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة، وهيئة الثقافة الجماهيرية التى نشرت قصور الثقافة فى المحافظات.
لم تكن هذه المؤسسات مجرد مبانٍ أو كيانات إدارية، بل أدوات لنشر الوعى الجمالى وتوسيع قاعدة المشاركة الثقافية، فقد كان يؤمن بأن الفن الرفيع لا يجب أن يظل حبيس العاصمة أو الطبقات الميسورة، بل يجب أن يصل إلى القرى والنجوع، وأن يمنح الفرصة لمواهب كامنة فى أطراف البلاد كى تظهر وتبدع.

إنقاذ آثار النوبة
من أبرز إنجازاته قيادته للجهود الدولية لإنقاذ آثار النوبة بعد بناء السد العالى، فقد نجح فى حشد دعم منظمة اليونسكو وعدد كبير من دول العالم لنقل معابد فيلة وأبوسمبل وإنقاذها من الغرق.
كانت تلك العملية واحدة من أكبر حملات الحفاظ على التراث الإنسانى فى القرن العشرين، ورسّخت صورة مصر كدولة تدافع عن حضارتها وتدرك قيمة تاريخها.

المفكر الموسوعى
إلى جانب عمله التنفيذى، كان ثروت عكاشة باحثًا ومؤلفًا غزير الإنتاج.. من أبرز أعماله موسوعة «العين تسمع والأذن ترى» التى تناولت تاريخ الفنون عبر العصور، وكتابه «مذكراتى فى السياسة والثقافة»، إلى جانب عشرات المؤلفات والترجمات.
رحيل ثروت عكاشة
رحل ثروت عكاشة فى 27 فبراير 2012، لكن مشروعه الثقافى لا يزال حاضرًا فى مؤسسات تعمل حتى اليوم، وفى مفهوم ترسخ بأن بناء الإنسان هو جوهر أى نهضة حقيقية، لقد قدم نموذجًا لوزير يمتلك رؤية فكرية واضحة، ويملك فى الوقت ذاته القدرة على تحويلها إلى سياسات ومؤسسات باقية.