كانت المعركة طويلة.. ولم تزل.
معركة ذاكرة في المقام الأول، كان الرهان أن الذاكرة تضعف بمرور الوقت، وأن العمر يمضي بمن يحملون التفاصيل، سنوات طويلة راهن فيها الكيان الصهيوني على ذلك؛ فتحولت رهاناته الخاسرة إلى حسرة حقيقية، وإن كانت حسرةً لا تشف غليل ضحاياه من أهل فلسطين، المعركة طويلة لكن الذاكرة أقوى.
منذ أيام كنت أتحدث مع صديق من أبناء جيلي، رمت بنا الذكريات إلى أيام الجامعة، تذكرنا كم كنا نعاني لنذكر اسم فلسطين، ونحكي ما أصاب أهلها، كيف شُرِّدوا من أرضهم، وأنهم أبداً لم يفرطوا فيها، لكن صوت الجهل كان أعلى منا، وكنا صغاراً، نحاول مع غيرنا أن نحافظ على سردية تحمل الحقيقة، قلت له كم نحن محظوظون أن نحيا اللحظة التي نرى فيها الحق الفلسطيني ينهض من غياهب الظلم، ليصنع سرديته الجديدة على رؤوس الأشهاد، يراه العالم صوتاً وصورة، وافقني الصديق الذي لم يكن زميلي في الجامعة نفسها الرأي، فهو ككل أبناء جيلي في كل الجامعات من المهتمين بالشأن العام، قد مر بالظروف نفسها المقاومة لأي حديث عن فلسطين في زمن كان صعباً، برغم ما فعلته الانتفاضة الأولى ثم الثانية، لكن في ذلك الوقت لم يكن هناك الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لم تكن الصورة شاهد عيان قادراً على الانتقال بسهولة والسفر بلا حواجز، كان الشهود هم أصحاب الحق أنفسهم ومن استطاع أن يكون حاضراً، وما استطاعت أن تنقله صحافة ذلك الزمان وكاميرات الفيديو.
مر الوقت وتغير الزمن، ونُكِئَت الجراح مجدداً، فصار كل شيء كسيرته الأولى دليلاً على أن ذلك لم يكن من خيال الرواة، وفسدت السردية الإسرائيلية على شهود الأعيان.
يعلم أبناء جيلي تماماً معنى أن ترى كل ذلك مُصوَّراً في دراما حية على شاشات ومنصة مصرية يراها العالم كله، ومترجمة للإنجليزية، أن تُعاد التفاصيل التي شهدها العالم على مدار عامين قاسيين لكن ليس كخبر يمر ثم يأتي شبيهه في اليوم التالي وقد تتبلد الآذان؛ بل كدراما حية تقطر بالمشاعر، وتفاصيل تُرسِّخ الألم، فيصبح المشاهد شريكاً في كرب من عاش حقيقة تلك المشاهد، الألم هنا قد يكون صعباً لكنه يُذكِّر من يرى أن هناك من عاش ذلك ولا يزل.
"صحاب الأرض" ليس عملاً درامياً ناجحاً في الموسم الدرامي الأهم على مدار العام؛ هو تتويج لجهود مصرية حقيقية لها أوجهها المتعددة، ما نعرفه منها وما نجهله، هو قمة جبل الثلج لمسار مصري طويل ومخلص في دعم الحق الفلسطيني، والأهم من ذلك هو تأكيد على أن سلاح الذاكرة هو الأقوى في مواجهة كيان غاصب قام على الكذب، وأخشى ما يخشاه هو أن يعرف العالم الحقيقة.
عاشت فلسطين حرة وأبية..
وعاشت مصر كبيرة وعظيمة.