مدرسة الصوم.. من كفِّ الشهوة إلى صفاء الروح مع هاني عودة|فيديو
في حلقة جديدة من برنامج «من الأزهر»، قدّم الدكتور هاني عودة، مدير عام الجامع الأزهر، قراءة إيمانية عميقة لمعنى الصوم، مؤكدًا أن هذه العبادة ليست مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هي انتقال بالإنسان من أسر الماديات إلى رحابة الروح.
وأوضح أن الله سبحانه وتعالى جعل الصيام مدرسة إيمانية متكاملة، تُهذّب النفس، وتعيد ترتيب الأولويات، وتُذكّر الإنسان بحقيقة وجوده وغاية خلقه.
وأشار إلى أن الصوم يأخذ بيد المسلم بعيدًا عن التعلق المفرط بشهوتي البطن والفرج، وهما الشّهوتان اللتان تدور حولهما كثير من صراعات الحياة، فحين يمتنع الإنسان عنهما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإنه يتدرّب عمليًا على القدرة على التحكم في رغباته، ويُدرك أن ما يدخل الجوف زائل، وأن الشهوة إن لم تُضبط بضوابط الحلال تحوّلت من نعمة إلى نقمة.
تهذيب الشهوة وبناء التقوى
وبيّن الدكتور هاني عودة، أن الامتناع في الصيام ليس مقصودًا به الإضرار بالنفس، بل لفت الانتباه إلى عِظَم الغاية التي خُلق الإنسان من أجلها، وهي تحقيق التقوى، فالصوم يُعلّم المسلم أن يسعى إلى الطعام والشراب من الحلال، وأن يحرص على أن يكون كسبه طيبًا، حتى يلقى الله وقد امتلأ جسده بما يرضيه لا بما يسخطه.
أما شهوة الفرج، فهي كما أوضح طريق لبقاء النسل وعمارة الأرض، لكنها أمانة لا تؤدى إلا في إطارها المشروع، ومن هنا يغرس الصيام في النفس وعيًا عميقًا بأن الانحراف في هذا الباب يهدد الفرد والمجتمع معًا، بينما الالتزام بالحلال يُنتج أجيالًا تعرف ما لها وما عليها، تربّت في بيئة سوية قائمة على عقد صحيح ومسؤولية واضحة.
المراقبة أساس البناء الأخلاقي
وأكد مدير عام الجامع الأزهر أن من أعظم دروس الصيام ترسيخ مبدأ مراقبة الله في السر والعلن، فالصائم قد يختلي بنفسه ولا يراه أحد، ومع ذلك يمتنع، لأنه يعلم أن الله مطّلع عليه، هذه الرقابة الذاتية، إذا ترسّخت، انعكست على سلوك الإنسان كله؛ في كلامه، وفي عمله، وفي تعامله مع الناس.
فمن يراقب الله في صيامه، لن يمدّ يده إلى الحرام، ولن يعتدي على حقوق غيره، بل سيُقبل على عمله بإتقان وجودة، لأنه يدرك أن المحاسب الحقيقي هو الله، وهكذا يتحول الصوم من عبادة فردية إلى قوة أخلاقية تصنع مجتمعًا أكثر أمانًا وانضباطًا.
من العبادة إلى نهضة المجتمع
ولفت الدكتور عودة، إلى أن الصوم لا يدعو إلى الكسل أو الانعزال، بل إلى العمل النافع والجد والاجتهاد، فالحالة الإيمانية التي يعيشها الصائم ينبغي أن تدفعه إلى تحقيق النفع لنفسه ولغيره، وأن تخلق بيئة يسودها التعاون والاحترام المتبادل، حيث لا اعتداء ولا ظلم، بل التزام بالهدي النبوي القائم على الرحمة والعدل.